سيادة البيانات والاعتماد التكنولوجي المفرط.. الاستعمار الرقمي الجديد

بات العالم يشهد لونا جديدا من ألوان  النفوذ يتمثل في فضاء أكثر اتساعًا وأقل ضجيجًا، حيث تتدفق البيانات عبر الشبكات، وتُدار الخدمات الحيوية من خلال منصات رقمية عابرة للحدود، وتتحول الخوارزميات إلى قوى خفية تؤثر في المعرفة والاقتصاد والسلوك الإنساني.
وفي هذا العالم الجديد، قد يمتلك المجتمع أرضه ومؤسساته وقراره السياسي، لكنه يجد نفسه معتمدًا على بنية تكنولوجية لا يملك مفاتيحها، ولا يشارك بالقدر الكافي في صياغة قواعدها.

من هنا يبرز مفهوم السيادة الرقمية بوصفه أحد أبرز تحديات الأمن القومي والتنمية في القرن الحادي والعشرين، وتتقدم إلى واجهة النقاشات الدولية قضية الاستعمار الرقمي الجديد، الذي لا يقوم بالضرورة على الاحتلال المباشر، وإنما قد يتجسد في احتكار التكنولوجيا، والتحكم في تدفقات البيانات، وتوجيه مسارات الابتكار، وفرض شروط الاستخدام على الدول والمؤسسات والأفراد.

وليس المقصود بهذا المفهوم أن كل تعامل مع شركة تكنولوجية أجنبية يمثل شكلًا من أشكال الاستعمار، أو أن الانفتاح على التكنولوجيا العالمية تهديد في ذاته، بل إن جوهر القضية يكمن في اختلال ميزان القوة، حين يصبح طرف قادرًا على جمع البيانات ومعالجتها واستثمارها، بينما يظل الطرف الآخر مجرد مصدر لهذه البيانات أو مستهلك للخدمات التي تُبنى عليها.

وتزداد أهمية هذه القضية في ظل صعود الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، واتساع الاعتماد على المنصات الرقمية في التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد والإعلام، بما يجعل التحكم في البنية التكنولوجية مسألة تتجاوز رفاهية الاستخدام إلى صميم الاستقلال الاقتصادي والأمن المجتمعي والقدرة على اتخاذ القرار.

سيادة البيانات والاقتصاد الرقمي في ميزان القوة العالمية

تنبع خطورة الاستعمار الرقمي من أن البيانات لم تعد مجرد آثار إلكترونية يتركها المستخدمون أثناء تصفح المواقع أو شراء المنتجات أو التواصل عبر التطبيقات، بل أصبحت موردًا اقتصاديًا واستراتيجيًا تتولد منه الأرباح والمعرفة والقدرة على التنبؤ بالاتجاهات وصناعة القرارات. فكل عملية بحث، وكل تفاعل اجتماعي، وكل معاملة مصرفية أو تجارية، يمكن أن تتحول، عند جمعها وتحليلها وربطها ببيانات أخرى، إلى معرفة ذات قيمة مالية أو سياسية أو أمنية.

وفي الاقتصاد التقليدي، كانت الثروات تُستخرج من باطن الأرض أو تُنتزع من الحقول والمصانع، أما في الاقتصاد الرقمي، فإن جزءًا متزايدًا من الثروة يُستخرج من أنماط السلوك البشري، ومن المعلومات التي ينتجها الأفراد والمؤسسات والمجتمعات بصورة يومية. والمفارقة أن المستخدم قد يقدم هذه الثروة من دون مقابل مباشر، ثم يشتري لاحقًا خدمات أو منتجات طُورت بالاستفادة من البيانات التي ساهم هو نفسه في إنتاجها.

وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، في تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021، من التفاوت في توزيع القيمة الناتجة عن تدفقات البيانات الدولية، موضحة أن السيطرة على جمع البيانات ومعالجتها واستثمارها تتركز بدرجة كبيرة في أيدي منصات رقمية عالمية محدودة. وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة والصين استحوذتا على نحو 90 في المائة من القيمة السوقية لأكبر المنصات الرقمية العالمية في الفترة التي تناولها التقرير.

وتتضح أبعاد هذا الاختلال عندما ننظر إلى دولة تمتلك ملايين المستخدمين، وسوقًا استهلاكية واسعة، ومؤسسات تقدم خدماتها عبر الإنترنت، لكنها تعتمد على شركات خارجية في تخزين البيانات وتحليلها وتشغيل الأنظمة التي تدير هذه الخدمات. فالدولة في هذه الحالة تنتج جانبًا مهمًا من المادة الخام الرقمية، بينما قد تذهب حصة كبيرة من القيمة المضافة إلى الجهة التي تمتلك أدوات المعالجة والخوارزميات والبنية التحتية.

وهكذا لا تتحدد الفجوة الرقمية فقط بمدى اتصال الدول بالإنترنت، وإنما أيضًا بموقعها داخل سلسلة إنتاج القيمة. فهناك من يملك البيانات والقدرة الحاسوبية والخوارزميات وحقوق الملكية الفكرية، وهناك من يستهلك هذه الأدوات ويظل رهينًا لتطورها وأسعارها وشروط استخدامها.

وقد ازدادت حدة هذا التفاوت مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات، وقدرات حوسبة مرتفعة التكلفة، ومراكز بيانات متقدمة، ورقائق إلكترونية متطورة. وهذه المتطلبات تمنح الشركات القادرة على تمويل البنية التحتية أفضلية تنافسية كبيرة، وتجعل دخول المنافسين الجدد إلى السوق أكثر صعوبة.

وتكشف بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية المنشورة في يوليو 2025 عن جانب من هذا التركيز؛ إذ ارتفعت حصة أكبر خمس شركات رقمية متعددة الجنسيات من المبيعات العالمية في الفترة بين عامي 2017 و2025 من 21 في المائة إلى 48 في المائة.

وهذه الأرقام لا تعني أن كل هذه الشركات تمارس استعمارًا رقميًا، لكنها تشير إلى تزايد تركز القوة الاقتصادية في سوق أصبحت البيانات والبنية التكنولوجية من أهم مفاتيحها.

الاعتماد التكنولوجي المفرط ومخاطر فقدان الاستقلال الرقمي

إذا كانت البيانات هي الثروة الجديدة، فإن البنية التكنولوجية التي تُخزَّن فيها وتُعالَج من خلالها تمثل أحد أهم مفاتيح السيطرة عليها. وهنا تظهر مشكلة الاعتماد التكنولوجي المفرط، حين تتحول الحلول المستوردة من أدوات تساعد على التطور إلى بنية أساسية يصعب الاستغناء عنها، وتصبح المؤسسات والدول مضطرة إلى التكيف مع شروط الجهات التي توفر لها التكنولوجيا.

وتبدو هذه المشكلة بوضوح في خدمات الحوسبة السحابية، التي تتيح للشركات والحكومات تخزين المعلومات وتشغيل التطبيقات والاستفادة من قدرات حاسوبية متقدمة من دون بناء بنية تحتية كاملة خاصة بها. وقد وفرت هذه الخدمات مرونة كبيرة وخفضت تكاليف كثيرة، لكنها أوجدت في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتركيز السوق، وصعوبة الانتقال من مزود إلى آخر، والتوافق بين الأنظمة المختلفة، وتكاليف نقل البيانات واستعادة السيطرة التشغيلية عند الحاجة.

وفي مايو 2025، تناولت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه التحديات في دراسة متخصصة عن المنافسة في سوق الحوسبة السحابية، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بتركز السوق، وارتفاع حواجز الدخول، وضعف قابلية التشغيل البيني، والممارسات التي قد تؤدي إلى احتجاز العملاء داخل منظومة مزود بعينه.

وتكمن المشكلة في أن الانتقال من نظام تقني إلى آخر ليس دائمًا عملية بسيطة. فقد تبني مؤسسة كاملة أعمالها وقواعد بياناتها وتطبيقاتها على بيئة واحدة، ثم تكتشف أن تغيير المزود يحتاج إلى إنفاق إضافي، وإعادة تصميم بعض التطبيقات، وتدريب العاملين، وضمان عدم فقدان البيانات أو تعطل الخدمات. ومع مرور الوقت، تتحول سهولة الاستخدام الأولية إلى ارتباط طويل الأجل، وتصبح كلفة الانفصال عن المنظومة مرتفعة بما يكفي لتقييد حرية الاختيار.

وتتجاوز المخاطر الجانب المالي إلى الأمن القومي واستمرارية الخدمات. فحين تعتمد مؤسسة حيوية على بنية خارجية، فإنها تحتاج إلى فهم دقيق لمكان تخزين بياناتها، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، والقوانين التي تحكم مقدم الخدمة، والضمانات المتاحة إذا نشأ نزاع أو تغيرت الظروف السياسية والتجارية. ولا يعني ذلك أن الشركات الأجنبية غير موثوقة بطبيعتها، بل إن الاعتماد على طرف واحد، أيًا كانت جنسيته، يخلق نقطة ضعف ينبغي التعامل معها بجدية.

وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق الأمر ببيانات الصحة والتعليم والقطاع المصرفي والسجلات الحكومية والبنية التحتية الحيوية. ففي هذه المجالات، لا تكفي كفاءة الخدمة وسرعتها لتقييم الاختيار التقني، بل يجب أن تُضاف إليهما اعتبارات السيادة القانونية، وسلامة البيانات، واستمرارية التشغيل، وإمكانية التدقيق المستقل، والقدرة على الانتقال إلى بدائل مناسبة عند الضرورة.

كما يطرح الاعتماد المفرط سؤالًا آخر بشأن نقل المعرفة. فالدولة التي تكتفي بشراء الخدمات الجاهزة قد تحقق مكاسب سريعة في كفاءة الأداء، لكنها تخاطر بتراجع قدرتها على تطوير حلولها الخاصة إذا لم تصاحب الاستيراد برامج لبناء الخبرات الوطنية وتوطين المعرفة وتطوير البحث العلمي. والفرق كبير بين دولة تستخدم التكنولوجيا لتوسيع قدراتها، ودولة تصبح قدرتها على العمل مرهونة باستمرار حصولها على التكنولوجيا من الخارج.

الذكاء الاصطناعي والخوارزميات وصناعة النفوذ الخفي

أدخل الذكاء الاصطناعي قضية السيادة الرقمية مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فالمنافسة لم تعد تقتصر على امتلاك الأجهزة والبرمجيات، وإنما امتدت إلى امتلاك النماذج التي تصنف المعلومات، وتنتج النصوص والصور، وتساعد على اتخاذ القرارات، وتحدد ما يظهر للمستخدم وما يظل بعيدًا عن مجال رؤيته.

فالخوارزمية ليست دائمًا أداة محايدة بالمعنى الكامل، إذ تتأثر نتائجها بالبيانات التي تدربت عليها، وبالأهداف التي صُممت لتحقيقها، وبالمعايير التي يعتمدها مطوروها، وبالقيود التي تحكم عملها. وقد تؤثر هذه العوامل في ترتيب الأخبار، وتوصيات المحتوى، وتقييم المخاطر الائتمانية، وفرز طلبات التوظيف، وحتى في الطريقة التي يتلقى بها الأفراد المعلومات المتعلقة بالقضايا العامة.

ومن هنا، لا يتعلق الاستعمار الرقمي بالسيطرة على البيانات وحدها، بل يمتد إلى السيطرة المحتملة على أدوات تفسيرها وتحويلها إلى قرارات. فمن يمتلك النموذج المتقدم لا يملك بالضرورة الحقيقة المطلقة، لكنه يمتلك أداة مؤثرة في تشكيل ما يراه المستخدمون وما يتلقونه من إجابات وتوصيات.

وتبرز المسألة بوضوح في المجتمعات التي تعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي مدربة أساسًا على بيانات ولغات وسياقات ثقافية معينة، من دون الاستثمار الكافي في بناء مجموعات بيانات محلية عالية الجودة أو تطوير نماذج تراعي الخصوصيات اللغوية والاجتماعية. فقد تكون اللغة متاحة تقنيًا داخل النموذج، لكن ذلك لا يضمن دائمًا فهم سياقاتها الثقافية، أو دقة التعامل مع مصطلحاتها الدينية والتاريخية، أو إدراك الفوارق بين الاستخدامات المحلية للكلمات.

وبالنسبة إلى اللغة العربية، فإن التحدي لا يقف عند توفير واجهات عربية للتطبيقات، بل يمتد إلى تمثيل اللهجات، والمصطلحات العلمية، والتراث المعرفي، والسياقات الاجتماعية، وتطوير أدوات قادرة على معالجة المحتوى العربي بدقة وعمق. وإذا ظلت المجتمعات العربية مجرد مستخدم واسع للتقنيات التي يطورها الآخرون، فإنها قد تجد نفسها مستهلكة للمعرفة الرقمية أكثر من كونها شريكًا في إنتاجها وتوجيهها.

ولا يعني ذلك الانعزال عن النماذج العالمية أو رفض الاستفادة منها، فالتعاون الدولي وتبادل المعرفة ضرورة للتقدم، لكن المشاركة الحقيقية تقتضي امتلاك الخبرات والقدرة على التقييم والتدقيق، وتطوير بدائل محلية أو إقليمية في المجالات الاستراتيجية، بحيث لا تصبح القرارات الحساسة خاضعة بالكامل لأنظمة لا تتوافر للمؤسسات المستخدمة قدرة كافية على فهمها أو مراجعتها.

كما أن جمع البيانات على نطاق واسع يثير قضايا تتعلق بالخصوصية والحقوق الفردية. فالمعلومات التي يقدمها المستخدم لغرض محدد قد تُستخدم لاحقًا في أغراض أخرى، إذا لم توجد قواعد واضحة للمعالجة والموافقة والاحتفاظ والحذف. ومع تزايد قدرة الأنظمة على الربط بين قواعد بيانات متفرقة، يمكن استنتاج معلومات حساسة لم يقدمها الفرد صراحة، وهو ما يجعل حماية البيانات مسألة تتصل بكرامة الإنسان وحريته، لا بمجرد سرية الملفات.

كيف تواجه الدول الاستعمار الرقمي وتحمي سيادة بياناتها؟

تبدأ مواجهة الاستعمار الرقمي من الاعتراف بأن السيادة في العصر الحديث لم تعد مقتصرة على الحدود الجغرافية والموارد الطبيعية، بل أصبحت تشمل القدرة على حماية البيانات، والتحكم القانوني في تداولها، وبناء البنية التحتية اللازمة لمعالجتها، والمشاركة في إنتاج التكنولوجيا التي يعتمد عليها المجتمع والاقتصاد.

ولا تتحقق هذه السيادة بمجرد إنشاء مراكز بيانات محلية أو إلزام الشركات بتخزين المعلومات داخل حدود الدولة، على الرغم من أهمية هذه الإجراءات في بعض الحالات. فوجود الخوادم داخل البلد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارتها أو التحكم في البرمجيات التي تشغلها، كما أن تخزين البيانات محليًا لا يحسم وحده مسألة الوصول إليها أو خضوعها للقوانين ذات الصلة. ولذلك ينبغي أن تكون السيادة الرقمية مفهومًا شاملًا يجمع بين الموقع الجغرافي للبيانات، والولاية القانونية عليها، والقدرة التقنية على إدارتها، والحقوق المقررة لأصحابها.

ويحتاج ذلك إلى تشريعات واضحة لحماية البيانات الشخصية، تحدد أغراض جمع المعلومات وحدود استخدامها، وتفرض ضوابط مناسبة على نقلها إلى الخارج، وتضمن حقوق الأفراد في معرفة كيفية معالجتها والاعتراض على الاستخدامات غير المشروعة. كما ينبغي تعزيز استقلال الجهات الرقابية وقدرتها على التحقيق والمساءلة، بحيث لا تتحول القوانين إلى نصوص شكلية أمام الشركات الكبرى التي تمتلك موارد تقنية ومالية تفوق قدرات كثير من المؤسسات المحلية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التوازن بين حماية البيانات وتشجيع الابتكار. فالتشدد غير المدروس في تقييد تدفق المعلومات عبر الحدود قد يرفع التكاليف ويعوق التعاون العلمي والتجاري، بينما يؤدي الانفتاح غير المنظم إلى مخاطر تتعلق بالخصوصية والأمن وتوزيع القيمة الاقتصادية. وقد دعا تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عن الاقتصاد الرقمي إلى البحث عن آليات حوكمة تحقق الاستفادة من تدفقات البيانات مع مراعاة حقوق الإنسان والأمن والتنمية والعدالة في توزيع المنافع.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتطلب الأمر دعم الشركات الناشئة ومراكز البحث والجامعات، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير الكفاءات الوطنية في الأمن السيبراني وعلوم البيانات وهندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي. فامتلاك الكفاءات هو الشرط الذي يحول الإنفاق على التكنولوجيا من استهلاك للخدمات إلى استثمار منتج للمعرفة والقيمة المضافة.

وتكتسب المعايير المفتوحة وقابلية نقل البيانات أهمية خاصة في هذا المسار، لأنها تمنح المؤسسات مرونة أكبر في تغيير مزودي الخدمات، وتحد من الارتباط القسري بمنظومة واحدة. كما أن تنويع مصادر التكنولوجيا، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، واختبار القدرة على استعادة البيانات ونقلها، كلها إجراءات تساعد على تقليل المخاطر التي تنشأ عن الاعتماد المفرط على جهة واحدة.

ويظل التعاون الإقليمي خيارًا مهمًا أمام الدول التي لا تستطيع منفردة تحمل تكاليف تطوير جميع مكونات البنية التكنولوجية المتقدمة. فالتعاون في البحث والتطوير، وتبادل الخبرات، وبناء قواعد بيانات عربية موثوقة، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي تراعي اللغة والسياق الثقافي، يمكن أن يخلق كتلة معرفية أكثر قدرة على التفاوض والمنافسة. ولا يتطلب ذلك الانغلاق داخل حدود وطنية ضيقة، بل يستدعي انفتاحًا قائمًا على الشراكة وتبادل المنافع، لا على علاقة يظل فيها طرف واحد منتجًا للقواعد والتكنولوجيا، بينما يقتصر دور الطرف الآخر على الاستهلاك.

إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في مقاطعة التكنولوجيا العالمية، وإنما في امتلاك القدرة على الاختيار بينها، وفهمها، ومراجعة نتائجها، وتطوير البدائل حين تقتضي المصالح الوطنية ذلك. فالدولة التي تستخدم التكنولوجيا من دون أن تبني معرفة قادرة على إدارتها تظل معرضة لتقلبات السوق وشروط الموردين، أما الدولة التي تستثمر في الإنسان والبحث العلمي والحوكمة الرقمية، فإنها تحول التكنولوجيا من مصدر محتمل للتبعية إلى رافعة للاستقلال والتنمية.

محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
المقالات: 288

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.