كشفت شركة Anthropic أن نموذجًا داخليًا غير مطروح للعامة من نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها تمكن من اكتشاف ثغرات أمنية في متصفحات وأنظمة تشغيل رئيسية، ثم ربطها معًا في سلاسل استغلال عملية أثمرت نماذج إثبات مفهوم ناجحة ضد Chrome وSafari وAndroid وWindows وLinux.
ويمثل هذا التطور مؤشرًا لافتًا على التحول المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي الهجومية، إذ لم يعد دوره مقتصرًا على تحليل الشيفرات أو اكتشاف مواطن الضعف، بل أصبح قادرًا على دمج عدة ثغرات مستقلة داخل سلسلة هجوم متكاملة تؤدي إلى تحقيق أهداف هجومية فعلية. ووفقًا للشركة، فإن جميع الثغرات التي اكتشفها النموذج جرى الإبلاغ عنها مسبقًا إلى الشركات المصنعة وتم إصلاحها قبل نشر نتائج الدراسة، كما لم يُسجل استغلالها في هجمات حقيقية خارج بيئة الاختبار.
من اكتشاف الثغرات إلى بناء سلاسل استغلال كاملة
أوضحت شركة Anthropic أن فريق Frontier Red Team التابع لها اختبر قدرات النموذج عبر مجموعة من السيناريوهات الواقعية، حيث نجح في اكتشاف ثغرات متعددة ومن ثم دمجها ضمن سلاسل هجومية متكاملة.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أن بناء سلاسل الاستغلال المتقدمة كان حتى وقت قريب مهمة تتطلب فرقًا متخصصة من الباحثين ذوي الخبرة العالية. أما الآن، فتؤكد الشركة أن النموذج تمكن من تنفيذ معظم العمل بعد توجيهات أولية محدودة وبأقل قدر من التدخل البشري.
وفي أحد العروض العملية، استطاع النموذج إنشاء سلسلة استغلال ضد متصفح Chrome على أجهزة Mac الافتراضية، بحيث يؤدي مجرد تحميل صفحة ويب خبيثة إلى تشغيل تطبيق الآلة الحاسبة Calculator خارج البيئة المعزولة للمتصفح خلال ثوانٍ معدودة.
ورغم أن الباحثين المستقلين لا يستطيعون التحقق بشكل كامل من نسبة مساهمة النموذج مقارنة بالباحثين البشريين، فإن شركات التكنولوجيا الكبرى أكدت إصلاح عدد من الثغرات ونسبت الفضل في بعضها إلى فريق Anthropic ونموذج Claude.
اختراقات متعددة عبر Chrome وSafari
إحدى أكثر النتائج إثارة تمثلت في سلسلة الاستغلال الموجهة إلى Google Chrome.
فقد اعتمد النموذج على أربع ثغرات مختلفة تبدأ بإفساد الذاكرة داخل محرك JavaScript المعروف باسم V8، ثم تجاوز آلية العزل الخاصة بالمتصفح، ثم استغلال خلل في CacheStorage للحصول على معلومات حساسة من الذاكرة، وأخيرًا استغلال ثغرة من نوع Use-After-Free داخل ميزة FedCM لتنفيذ تعليمات برمجية خارج البيئة المعزولة للمتصفح.
وأكدت الشركة أنها أبلغت Google بـ 62 ثغرة مختلفة جرى إصلاحها في الإصدار Chrome 156، من بينها 13 ثغرة مخصصة لتجاوز أنظمة العزل الأمني.
أما في متصفح Safari، فقد اتبع النموذج نهجًا مختلفًا. فبدلاً من تنفيذ شيفرة برمجية، تمكن من تعطيل سياسة Same-Origin Policy المسؤولة عن منع المواقع من الوصول إلى بيانات المواقع الأخرى.
وبعد تعطيل هذه السياسة الأمنية استطاعت الصفحة الخبيثة نظريًا قراءة بيانات الجلسات النشطة وسجلات التصفح وإرسال طلبات إلى مواقع أخرى باسم الضحية، بما يشمل خدمات البريد الإلكتروني والحسابات البنكية والمنصات الحساسة التي يكون المستخدم مسجلاً دخوله إليها.
ثغرات خطيرة في Android وLinux وWindows
في نظام Android، تمكن النموذج من بناء استغلال يسمح باستخراج الصور والبيانات من هاتف مقفل بعد سرقته فعليًا، شرط توفر وصول مادي للجهاز عبر منفذ USB.
ورغم أن الشركة أكدت معالجة المشكلة من جانب Google، فإن تفاصيل الإصلاح لم تكن متاحة علنًا وقت نشر التقرير.
أما في بيئة Windows فقد نجح النموذج في بناء هجوم لتعطيل الخوادم عبر الشبكة باستخدام عدد محدود من الحزم المرسلة إلى الخدمة المستهدفة. واستند الاستغلال إلى الثغرة CVE-2026-33096 التي عولجت خلال أبريل 2026.
ورغم أن تأثير الثغرة يقتصر على الحرمان من الخدمة وعدم تشغيل شيفرات أو سرقة بيانات، فإن أهميتها تكمن في قدرة النموذج على اكتشافها وتطوير طريقة استغلال عملية لها.
لكن السيناريو الأكثر خطورة ظهر في نظام Linux.
فبحسب التقرير، نجح النموذج في ربط عدة نقاط ضعف للوصول إلى تنفيذ أوامر بصلاحيات Root عبر الشبكة دون الحاجة إلى تسجيل دخول أو أي تفاعل من المستخدم. واستغرق النموذج نحو 48 دقيقة لاكتشاف عنوان ذاكرة مناسب لتجاوز آليات الحماية الخاصة بالنواة، ثم خمس دقائق إضافية للوصول إلى جلسة Root كاملة.
وترتبط هذه السلسلة بالثغرة CVE-2026-98432 التي حصلت على درجة خطورة 9.8 من 10 وتم إصلاحها في منتصف أكتوبر 2026.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مشهد الأمن السيبراني
تؤكد هذه الدراسة أن الذكاء الاصطناعي بات يقترب من أداء مهام كانت تتطلب سابقًا فرقًا متخصصة في هندسة الاستغلال والبحوث الأمنية المتقدمة.
فالخطر لم يعد متمثلًا في اكتشاف ثغرة واحدة، بل في قدرة النماذج على تحليل بيئات برمجية معقدة والعثور على عدة أخطاء متفرقة ثم دمجها في مسار هجومي متكامل يحقق الهدف النهائي للمهاجم.
وتشير هذه التطورات إلى أن السباق المستقبلي بين المهاجمين والمدافعين لن يقتصر على اكتشاف الثغرات وإصلاحها، بل سيمتد إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تسريع دورة البحث والاستغلال والدفاع على حد سواء.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه Anthropic أن الهدف من هذه الأبحاث هو دعم فرق الحماية وتحسين قدرة المؤسسات على اكتشاف المخاطر مبكرًا، فإن نتائج الدراسة تُظهر بوضوح أن عصر الاعتماد على الخبرات البشرية وحدها في اكتشاف الاستغلالات المعقدة يقترب من نهايته، مع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة قادرة على الانتقال من التحليل إلى التنفيذ وإنتاج نماذج هجومية عملية يمكن التحقق من فعاليتها تقنيًا.






























