تتسابق المؤسسات حول العالم إلى نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين لتسريع أعمالها، لكنها في المقابل ما زالت مرتبطة ببنى أمنية صممت لعصر مختلف تماما. هذا ما يخلص إليه تقرير آفاق أمن الهوية الصادر عن شركة SailPoint، الذي يصف حالة سماها مفارقة السرعة، وهي أن الشركات تستثمر في عمليات تجارية تعمل بسرعة الذكاء الاصطناعي بينما تعتمد ضوابط أمنية بوتيرة بشرية، فينشأ خلل بنيوي لا تستطيع الأساليب التقليدية معالجته. وتبين بيانات التقرير أن الشركات أمضت سنوات في تطوير برامج الهوية الخاصة بموظفيها من البشر، لكن هذه الأساليب نفسها تتعطل حين تطبق على عالم الوكلاء غير البشريين، وهو عالم سريع التكاثر قصير العمر يعمل باستقلالية.
جمود نضج أمن الهوية عند المراحل الأولى
رغم سنوات من الإنفاق على إدارة الهوية والوصول، بلغ النضج الأمني العام للسوق سقفا يصعب تجاوزه. فبحسب التقرير يتركز مركز الثقل في المراحل التأسيسية، إذ تقع نسبة مجتمعة قدرها ستون بالمئة من المؤسسات إما في الأفق الأول الذي يعني غياب أي برنامج رسمي، وإما في الأفق الثاني القائم على الإجراءات اليدوية بمساعدة بعض الأدوات. واستمرار هذا النمط على مدى سنوات يشير إلى أن المشكلة ليست قلة الجهد، بل سقف معماري، فالأساليب التشغيلية التي بنيت لإدارة موظفين من البشر قد لا تتسع لإدارة وكلاء مستقلين ينفذون آلاف العمليات في الدقيقة الواحدة.
فجوة النضج بين الهويات البشرية وغير البشرية
يزداد وضوح المفارقة عند مقارنة نضج أمن الهوية البشرية بنظيره لدى الهويات غير البشرية، وهي تشمل وكلاء الذكاء الاصطناعي وأحمال العمل السحابية والحسابات الآلية، إذ تكشف الأرقام عن مسارين زمنيين مختلفين تماما. فعلى جانب القوى العاملة البشرية تتحسن البرامج الأمنية، وقبل خمس سنوات كانت خمسة وأربعون بالمئة من المؤسسات في الأفق الأول، أما اليوم فقد تراجعت النسبة إلى ثلاثة وعشرين بالمئة، أي إلى ما يقارب النصف. أما الصورة على جانب هويات الوكلاء فمعاكسة، إذ تقف أربع وخمسون بالمئة من المؤسسات اليوم في الأفق الأول في أمن هويات الوكلاء، وهي نقطة انطلاق أسوأ من تلك التي كان عليها أمن الهوية البشرية قبل خمس سنوات.
ويظهر هذا التباين أن حتى المؤسسات القادرة على إدارة وصول موظفيها بكفاءة تجد صعوبة في نقل المعايير ذاتها إلى أحمال العمل السحابية والبيئات القائمة على الوكلاء. ويصف التقرير الأمر بأنه فجوة في التغطية وليس فجوة في الكفاءة.
لماذا تفشل أساليب الأمن القديمة في عصر الوكلاء
جوهر مفارقة السرعة أن العمليات المصممة للبشر لا تصلح للآلات، ويحدد التقرير ديناميكيات بنيوية تقف خلف هذا الفشل، أولها ما يسميه فخ الرقمنة. فالمؤسسات في مستويات النضج المتوسطة نجحت في رقمنة العمليات المرتبطة بالبشر مثل إدماج الموظفين الجدد ومراجعات الوصول الدورية. غير أن تطبيق دورات المراجعة المجدولة نفسها على هويات آلية عابرة قد لا يتجاوز عمرها دقائق أو ثواني يخلق عبئا تشغيليا شديدا ولا يحقق فائدة عملية تذكر.
أما الاختراق نحو الآفاق العليا من النضج فيتطلب تحولا جذريا في التفكير يسميه التقرير التحول إلى الثقة بسرعة الآلة. فالمؤسسات المتقدمة ابتعدت عن قرارات الوصول اليدوية القائمة على التذاكر، واستبدلت الصلاحيات الدائمة بتطبيق آلي ومستمر للسياسات يراعي السياق ويعمل بسرعة الآلة نفسها.
وهم التوازن بين السرعة والأمان
حين يتعارض الإسراع في العمل مع الحفاظ على الأمان، تقول قرابة نصف المؤسسات، وتحديدا تسعة وأربعين بالمئة منها، إنها توازن بين الأمرين بالتساوي. لكن بيانات التقرير ترجح أن هذا حل وسط زائف، فالموقف المعلن بالتوازن دون قدرة تشغيلية فعلية على فرضه ليس استراتيجية بل تعطيل. وهكذا تجد المؤسسات نفسها عالقة داخل المفارقة، بطموح يسير بسرعة الذكاء الاصطناعي وأساس يعمل بسرعة البشر، فلا تستطيع الحركة بحسم. وهنا يقف معظم السوق حاليا، في انتظار تحول معماري يحل هذه المفارقة.
ويرى التقرير أن تأمين المؤسسة المستقلة لا يستلزم البناء من الصفر، فالأولوية العاجلة هي مد الانضباط الإداري المجرب ليشمل الهويات غير البشرية غير المدارة المنتشرة عبر البيئة الرقمية للمؤسسة، ودمجها في نسيج واحد قادر أخيرا على مجاراة سرعة الذكاء الاصطناعي.































