كشفت دراسة أمنية حديثة أجرتها شركة OX Security عن واقع مقلق داخل منظومة خوادم بروتوكول سياق النماذج (Model Context Protocol – MCP)، بعدما أظهرت نتائجها أن آلاف الخوادم المتاحة للعامة تعمل في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من ضوابط الحوكمة والتحقق الأمني، ما يفتح الباب أمام مخاطر تتعلق بسلاسل التوريد الرقمية وتسرب البيانات واستغلال الثقة المفرطة في خدمات الذكاء الاصطناعي.
وتسلط الدراسة الضوء على جانب غالبًا ما يتم تجاهله في سباق تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ لا تكمن المشكلة في البروتوكول نفسه، وإنما في البنية المحيطة به وطريقة نشر الخوادم وربطها بالوكلاء الذكيين والتطبيقات المؤسسية دون وجود آليات رقابية تضمن سلامة الجهات المشغلة لها.
بروتوكول طموح حقق الانتشار.. لكن الأمن لم يواكب النمو
عندما انطلق بروتوكول MCP في عام 2024، كان الهدف منه إنشاء معيار موحد يشبه منفذ USB-C في عالم الذكاء الاصطناعي، بحيث يتيح ربط النماذج اللغوية والوكلاء الذكيين وبيئات التطوير المختلفة بالأدوات ومصادر البيانات بطريقة موحدة ومرنة.
وسرعان ما حقق البروتوكول انتشارًا واسعًا داخل أوساط المطورين والشركات، حيث ظهرت آلاف الخوادم التي تقدم وظائف متنوعة يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الاعتماد عليها لإنجاز المهام والوصول إلى البيانات والتفاعل مع الأنظمة المختلفة.
غير أن باحثي OX Security يؤكدون أن هذا النجاح التقني لم يصاحبه نضج مماثل في الجانب الأمني، لافتين إلى أن أسواق ومكتبات خوادم MCP لا تفرض تدقيقًا أمنيًا حقيقيًا على الخدمات المنشورة، كما لا توجد آليات مراجعة أو اعتماد إلزامية قبل إتاحتها للمستخدمين.
ويشير الباحثون إلى أن أي شخص يستطيع تطوير خادم MCP ونشره وإتاحته للعامة، دون المرور بإجراءات فحص أو تقييم تشبه تلك المطبقة في متاجر التطبيقات الكبرى.
15 ألف خادم تحت المجهر
شملت الدراسة تحليل 15,465 خادم MCP متاحًا للعامة عبر خمس منصات وسجلات رئيسية متخصصة في نشر هذه الخوادم.
وبعد إزالة التكرارات، توصل الباحثون إلى وجود 5,095 نطاقًا وخادمًا فريدًا، لتتضح صورة بيئة رقمية واسعة النطاق تفتقر في كثير من جوانبها إلى الضوابط الأمنية والإدارية التي اعتادت المؤسسات الكبرى تطبيقها عند التعامل مع الخدمات السحابية أو البرمجيات الخارجية.
ويرى خبراء الأمن أن حجم العينة يمنح الدراسة أهمية خاصة، لأنها تقدم رؤية واقعية عن طبيعة البنية الحالية للنظام البيئي المحيط بـ MCP، وليس مجرد تقييم نظري للمخاطر المحتملة.
بيانات المؤسسات قد تغادر الحدود دون علم فرق الأمن
أحد أبرز الاكتشافات التي توصلت إليها الدراسة يتمثل في أن نسبة 15.6% من الخوادم التي جرى تحليلها كانت تعمل على بنى تحتية مستضافة خارج الولايات المتحدة.
وتضمنت النتائج رصد 19 خادمًا يعمل من داخل الصين و18 خادمًا من داخل روسيا، الأمر الذي قد يضع المؤسسات أمام تحديات تتعلق بسياسات سيادة البيانات والامتثال التنظيمي.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن الوكلاء الذكيين المرتبطين بهذه الخوادم قد يرسلون بيانات أو استفسارات تشغيلية إلى جهات خارج النطاقات الجغرافية التي اعتمدتها الفرق الأمنية داخل المؤسسات.
وبحسب الدراسة، فإن موقع الخادم ليس عاملًا ثابتًا بالضرورة، إذ يمكن للمشغلين نقل البنية التحتية أو إعادة توجيه حركة البيانات إلى مواقع أخرى في أي وقت، وهو ما يزيد من صعوبة مراقبة مسارات البيانات والتحقق من وجهاتها الفعلية.
خوادم تعمل من منازل المستخدمين ونطاقات مهجورة
كشفت الدراسة أيضًا أن نحو 0.45% من الخوادم المدرجة تعتمد على خدمات أنفاق الشبكات العامة مثل ngrok-free، وهو ما يشير إلى أن بعض هذه الخوادم تُشغَّل من أجهزة شخصية أو شبكات منزلية بدلاً من مراكز بيانات احترافية.
ويحذر الباحثون من أن مثل هذه البيئات التشغيلية تفتقر عادة إلى الضوابط المؤسسية المتعلقة بالحماية والمراقبة والاستجابة للحوادث الأمنية.
وفي جانب آخر أكثر إثارة للقلق، تبين أن 2.3% من الخوادم لم تعد نطاقاتها قابلة للوصول، بينما توجد ستة نطاقات منتهية الصلاحية يمكن إعادة تسجيلها مقابل مبالغ سنوية بسيطة نسبيًا.
ويعني ذلك نظريًا أن جهة جديدة قد تستحوذ على نطاقات تمتلك بالفعل سمعة رقمية وسجلات استخدام سابقة، ما قد يسمح لها باستقبال الطلبات الموجهة من الوكلاء أو التطبيقات التي لا تزال مهيأة للتواصل مع تلك العناوين القديمة.
الثقة المفرطة أخطر من الثغرات التقنية
يشير التقرير إلى أن مراجعة الشيفرة المصدرية وحدها لم تعد كافية للحكم على سلامة خوادم MCP.
فحتى لو كان المستودع البرمجي المنشور للعامة يبدو آمنًا وخاليًا من المشكلات، فإن الخادم البعيد قد يشغل شيفرة مختلفة تمامًا عن تلك الظاهرة للمستخدمين أو المراجعين.
ويعيد ذلك إلى الواجهة مشكلة الثقة المفرطة في المستودعات والمشاريع المفتوحة المصدر، وهي القضية التي ناقشها باحثو OX Security سابقًا خلال فعاليات RSA Conference وOWASP تحت عنوان “In GitHub We Trust”، حيث حذروا من الاعتماد الكامل على ما يظهر داخل المستودعات البرمجية دون التحقق من البيئة التشغيلية الفعلية.
ويرى الباحثون أن مساحة الهجوم الجديدة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تتمثل فقط في الثغرات البرمجية، بل في الثقة التي تمنحها المؤسسات للخوادم والجهات المشغلة لها دون عمليات تحقق دقيقة.
الحوكمة الأمنية ضرورة قبل التوسع في الذكاء الاصطناعي
خلص التقرير إلى أن بروتوكول MCP بحد ذاته ليس المشكلة، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في غياب الحوكمة الأمنية وآليات التحقق من المصدر والتوقيع الرقمي للخوادم المنشورة.
وحذر الباحثون من أن استمرار النمو السريع لمنظومة الذكاء الاصطناعي دون تطوير أدوات فعالة لتدقيق الخوادم ومراجعة هويات المشغلين قد يخلق بيئة خصبة لهجمات سلاسل التوريد الرقمية وتسرب البيانات الحساسة.
وفي ظل تسارع اعتماد المؤسسات على الوكلاء الذكيين والخدمات المبنية على MCP، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير معايير صارمة للتوثيق والمراجعة والتوقيع البرمجي، بما يضمن ألا تتحول البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي إلى نقطة ضعف خفية يستغلها المهاجمون للوصول إلى الأنظمة والبيانات المؤسسية.




























