طبقة بيانات الاعتماد تتوسع أسرع مما تستطيع فرق الأمن رؤيته: لماذا يبدأ تأمين الشركات من الاكتشاف؟

تعتمد كل مؤسسة حديثة على بيانات الاعتماد، فهي الوسيلة التي يتصل بها البشر والأنظمة، وأخيرًا وكلاء الذكاء الاصطناعي، بالبيانات والخدمات وببعضهم بعضًا بصورة آمنة. غير أن وتيرة إنتاج البرمجيات تتسارع الآن بما يتجاوز افتراضات النمو التي بُنيت عليها كثير من الضوابط الأمنية الحالية، وهو ما يضع فرق الأمن أمام تحدٍّ أساسي يتمثل في معرفة ما لدى المؤسسة فعليًا من بيانات اعتماد وأين تقيم وما الذي تتيحه من صلاحيات. وتطرح شركة GitGuardian هذا الموضوع في أولى ثلاث مقالات تشرح فيها منهجها القائم على ثلاث مراحل مترابطة هي الاكتشاف والمعالجة والمنع، وتبدأ بالاكتشاف لأن كل إجراء لاحق يعتمد عليه.

تسارع إنتاج الشيفرات يضاعف الأسرار المكشوفة

قال كايل دايغل، كبير مسؤولي العمليات في GitHub، إن المنصة انتقلت من نحو مليار عملية إيداع خلال عام 2025 كله إلى 2.9 مليار عملية في أغسطس 2026 وحده، أي بوتيرة سنوية تتجاوز 14 مليارًا خلال عام 2026. وأضاف فريق الهندسة في GitHub أنه انتقل في تخطيط السعة من الاستعداد لنمو بمقدار عشرة أضعاف إلى تصميم بنية تتحمل ثلاثين ضعف الحجم الحالي، مع تسارع التطوير القائم على الوكلاء الذكية. وكل هذا الإنتاج يعني بنية تحتية أكبر وأسرارًا أكثر، فالتطبيقات والتكاملات والأتمتة والوكلاء الجدد تحتاج جميعها إلى المصادقة لدى أنظمة أخرى.

ولم تكن مشكلة تسرب بيانات الاعتماد صغيرة أصلًا، إذ رصدت GitGuardian في عام 2025 نحو 28.65 مليون سر مضمّن في الشيفرة داخل عمليات إيداع عامة على GitHub، بزيادة بلغت 34 في المئة على أساس سنوي، بينما ارتفعت التسريبات المرتبطة بخدمات الذكاء الاصطناعي بنسبة 81 في المئة. وتشير أبحاث الشركة نفسها إلى أن المستودعات الداخلية كانت أكثر عرضة بنحو ست مرات من العامة لاحتواء سر واحد على الأقل، وأن نحو 28 في المئة من حوادث الأسرار نشأت بالكامل خارج مستودعات الشيفرة، في أنظمة التعاون والإنتاجية. ولأن حدود هذه الطبقة تتبع بيانات الاعتماد نفسها لا شبكة المؤسسة، فقد يُنشأ المفتاح داخل حساب سحابي معتمد ثم يظهر لاحقًا بنص صريح في مستودع أو قاعدة معرفة مشتركة، وقد تبقى نسخ نصية منه على حاسوب المطور رغم وجود نسخة في خزنة معتمدة، وقد يُنشأ في مشروع شخصي أو خدمة ذكاء اصطناعي جديدة خارج نطاق رؤية فريق الأمن، خصوصًا مع تزايد أعداد المطورين غير المحترفين الذين صاروا يستخدمون وكلاء البرمجة.

حواسيب المطورين هدف جديد ومصدر رؤية ناقصة

يمنح كل مصدر اكتشاف صورة جزئية فقط. فالتحكم في الشيفرة المصدرية يظل أساسيًا لأن بيانات الاعتماد المضمّنة تترك أثرًا دائمًا، إذ قد يبقى السر المحذوف من النسخة الحالية للملف ضمن سجل Git، وقد تنتقل نسخه إلى فروع ومستودعات أخرى، وقد يضعه التعرض العلني خارج سيطرة المؤسسة. أما أنظمة التعاون فتكشف جانبًا مختلفًا، إذ تُلصق بيانات الاعتماد في التذاكر أثناء استكشاف الأعطال، وتنتقل عبر المحادثات عند تسليم المهام، وتظل قابلة للبحث زمنًا طويلًا بعد انتهاء الحاجة إليها.

وتحتل حواسيب المطورين موقعًا محوريًا في هذه الصورة. فحتى وقت قريب كان من المعتاد استخدام ملفات بيئة محلية لتخزين أسرار التطبيقات، وكانت أدوات سطر الأوامر تخزّن مؤقتًا بيانات الاعتماد المستخدمة للوصول إلى الخدمات السحابية، وبدا خطر سجل صدفة الأوامر غير المنظّف، الذي قد يحتفظ بالقيم زمنًا طويلًا بعد أن ينساها صاحبها، منخفضًا نسبيًا. ثم تغيّر موقف المهاجمين، فجاءت في نهاية 2025 موجات جديدة من هجمات سارقات المعلومات مثل Shai-Hulud وS1ingularity، وحوّلت حاسوب المطور إلى هدف ونقطة دخول إلى سلسلة التوريد. ويقدم تحليل GitGuardian للأنظمة التي اختُرقت في حملة Shai-Hulud 2 نظرة نادرة على كثافة هذه الأسرار، فقد حدد الباحثون عبر 6943 نظامًا مخترقًا نحو 33185 سرًا فريدًا، وكان 44 في المئة من الأجهزة المصابة يحتفظ بأكثر من عشرة أسرار، وأكثر من مئة سر لدى 5 في المئة منها. ولا يقتصر الأمر على المهاجمين، فهناك مستخدم داخلي جديد يشارك المطور جهازه هو وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين يقرؤون الملفات وينفذون الأوامر ويتفاعلون مع خدمات خارجية، وتمنحهم اتصالات بروتوكول سياق النموذج أدوات إضافية يحتاج كل منها إلى مصادقة وتفويض. وقد رصدت الشركة في الدراسة نفسها 24008 أسرار فريدة في ملفات إعدادات MCP العامة خلال 2025، تبيّن أن 2117 منها صالح فعليًا، وقد ينتج عن وصول الوكلاء ضرر غير متوقع حتى من دون هجوم، كأن يتخذ الوكيل خطوة مفاجئة مثل حذف قاعدة بيانات إنتاجية.

سياق كل سر يحدد أولويات المعالجة

لا يكفي العثور على السر، فمعرفة المخاطر تتطلب سياقًا يحيط به. وتأتي الصلاحية في مقدمة المؤشرات، لكن معظم الأسرار تبقى صالحة أطول مما ينبغي، فقد أعادت GitGuardian اختبار بيانات اعتماد ثبتت صلاحيتها في 2022 فوجدت أن 64 في المئة منها ظل صالحًا في يناير 2026، ما يعني أن السر قد يبقى مفيدًا للمهاجم سنوات بعد تسريبه. ويضيف موقع السر بعدًا آخر، فالسر الذي يظهر مرة واحدة في مستودع داخلي له تاريخ تعرض واحد، أما إذا ظهر نفسه على حاسوب ثم في مستودع عام فقد انتقل مسافة أبعد بكثير. وتتيح بصمة بيانات الاعتماد ربط هذه الظهورات في سجل واحد، فسبعة اكتشافات للسر نفسه تمثل اعتمادًا واحدًا بسبعة تعرضات معروفة، وهو ما يعطي جردًا أدق.

وتكمل الملكية الصورة بمعرفة المستخدم أو حمل العمل أو التطبيق الذي يعتمد على السر والسياسة التي تحكمه، ويكشف نطاق الصلاحيات ما يستطيع السر فعله، فبيانات اعتماد خدمة تطوير تختلف في خطورتها عن بيانات إنتاجية بصلاحيات إدارية واسعة. أما التبعيات فتبيّن ما إذا كان السر شديد التعرض مع دعمه أحمالًا حرجة، وهي معلومة ضرورية لتدويره أو إلغائه بأمان لاحقًا. وتحتاج المؤسسات إلى مقام حقيقي لمقاييس التغطية، فقد تحتفظ شركة بخمسين ألف سر في خزن معتمدة بينما تقيم آلاف أخرى بنص صريح في المستودعات ونقاط نهاية المطورين وأنظمة التعاون، وتبقى تقارير الخزن عمياء عن الأسرار المنشأة خارج المسارات المخططة. وعليها أن تعرف نسبة بيانات الاعتماد ذات المالك المحدد، وعدد النشطة منها المرتبط بصلاحيات وأحمال تابعة، وأيها وصل إلى بيئات عامة.

سرعة المهاجمين تفرض الانتقال من الاستجابة إلى المنع

يتزامن هذا التوسع مع تسارع المهاجمين أنفسهم. فبحسب تقرير فيريزون لتحقيقات اختراق البيانات 2026، شكّلت بيانات الاعتماد المخترقة 22 في المئة من حالات الوصول الأولي، ورُصدت بيانات مؤسسية على أجهزة غير مُدارة أدت إلى عدد كبير من الاختراقات المدروسة، وانتهت فترة جمع بيانات التقرير قبل أن تنتشر ديدان سارقات المعلومات انتشارها الواسع في مطلع 2026. وتستطيع هذه البرمجيات ذاتية الانتشار البحث في بيانات المتصفح والملفات المحلية ومخازن التطبيقات وجمع أي مواد مصادقة متاحة دون اكتراث بالفريق الذي أنشأها أو المنتج الأمني المفترض أن يحكمها. وقد أظهرت أبحاث GitGuardian أن تعرض الأسرار ازداد بمعدل يفوق نمو عدد المطورين النشطين بنحو 1.6 مرة، وأفادت CrowdStrike بأن متوسط زمن الانتقال الجانبي في هجمات الجريمة الإلكترونية بلغ 29 دقيقة في 2025، وأن أسرع حالة رُصدت وصلت إلى الحركة الجانبية في 27 ثانية.

ولهذا لا يكفي تسريع رد الفعل، بل يجب التحول نحو المنع، وهو أمر لا يتحقق قبل فهم ما يراد منعه ومعرفة الأسطح التي يمكن أن تتسرب إليها بيانات الاعتماد. ويقوم الاكتشاف عند GitGuardian على رصد المستودعات والتعرض العلني ونقاط نهاية المطورين مع إثراء كل اعتماد بسياق الصلاحية والملكية والصلاحيات والتبعيات، لتصبح تغطية الخزن مقياسًا واحدًا ضمن صورة أكبر تضم نتائج المستودعات والأسرار المكتشفة على الأجهزة التي كانت خفية عن أنظمة الأمن المركزية. وتزيد وتيرة النمو الجارية كلفة الانتظار، فانتقال GitHub من مليار عملية إيداع سنويًا إلى وتيرة تُقاس بمئات الملايين أسبوعيًا، واستعدادها لحجم يبلغ ثلاثين ضعف اليوم، يعنيان أن كل تطبيق ووكيل وتكامل جديد قد يمد طبقة بيانات الاعتماد أكثر.

محمد وهبى
محمد وهبى
المقالات: 1490

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.