لم تعد حركة التجارة الدولية تعتمد على السفن والموانئ والشاحنات وحدها، بل صارت تقوم على شبكة كثيفة من الأنظمة الرقمية التي تدير الحجوزات والمواني وتتبع الحاويات وتخلص الإجراءات الجمركية وتنسق المدفوعات بين الموردين والمصنعين وتجار التجزئة. ومع أن نحو ثمانين بالمئة من حجم السلع المتداولة عالميا ينتقل عبر البحر بحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن كل شحنة منها تسير معها شحنة موازية من البيانات، وأي اضطراب في هذه البيانات قد يوقف البضاعة الحقيقية على الأرصفة. من هنا انتقل الأمن السيبراني من كونه شأنا فنيا يخص أقسام تقنية المعلومات إلى ركيزة حقيقية لاستقرار الاقتصاد العالمي.
كيف أصبحت سلاسل الإمداد العالمية هدفا للهجمات السيبرانية؟
تتميز سلاسل الإمداد بأنها مترابطة إلى حد يجعل ضعف حلقة واحدة كفيلا بإرباك السلسلة كلها. فشركة الشحن تعتمد على نظام تشغيل المحطة، والمحطة تعتمد على نظام الجمارك، والجمارك تعتمد على بيانات المستوردين والوكلاء الملاحيين، وكل طرف منها يعتمد بدوره على مزودي برمجيات وخدمات سحابية خارجيين. وهذا الترابط الذي يمنح التجارة كفاءتها هو نفسه ما يغري المهاجمين، سواء كانوا عصابات فدية تسعى إلى المال أو جهات مدعومة من دول تبحث عن أدوات ضغط وتعطيل. ويكفي أن يدخل المهاجم عبر مورد صغير ضعيف الحماية ليصل إلى مؤسسة كبرى، وهو ما يعرف بهجمات سلاسل التوريد التي تعد اليوم من أخطر أنماط التهديد.
هجمات الموانئ وشركات الشحن وكلفتها على التجارة الدولية
يقدم تاريخ السنوات الأخيرة أمثلة واضحة على حجم الخسارة حين تتعطل هذه الأنظمة. ففي عام 2017 أصاب برنامج نوت بيتيا الخبيث شركة ميرسك الدنماركية العملاقة للشحن، فتعطلت أنظمتها حول العالم وتوقفت عمليات في موانئ عدة، وقدرت الشركة خسائرها بما بين مئتين وثلاثمئة مليون دولار. وفي عام 2021 تعرضت شركة ترانسنت الحكومية المشغلة لموانئ جنوب أفريقيا لهجوم فدية أدى إلى اضطراب في ميناءي ديربان وكيب تاون وإعلان حالة القوة القاهرة. وفي يوليو 2023 أوقف هجوم نسب إلى مجموعة لوك بيت نظام محطة الحاويات الرئيسية في ميناء ناغويا الياباني نحو يومين، وهو من أكبر موانئ اليابان وأكثرها ازدحاما. وفي نوفمبر من العام نفسه شل هجوم سيبراني عمليات دي بي ورلد أستراليا، فتوقف نقل جزء كبير من البضائع المارة بالبلاد عدة أيام وتكدست الحاويات في الساحات.
وتكشف هذه الوقائع أن الكلفة لا تقتصر على الفدية أو إصلاح الأنظمة، فالسفينة التي تنتظر خارج الميناء تكلف مشغلها مبالغ يومية كبيرة، والمصنع الذي ينتظر مكونا مستوردا قد يوقف خطوط إنتاجه، والمتجر الذي يتأخر مخزونه يخسر موسم بيع كاملا. ثم تنتقل الخسائر على هيئة ارتفاع في أسعار الشحن والتأمين وتأخر في الإمدادات يصل أثره في النهاية إلى المستهلك.
التضليل الملاحي والتهديدات التي تطال السفن وأنظمة التتبع
لا تقف التهديدات عند الموانئ على اليابسة، فالسفن الحديثة نفسها أصبحت منصات رقمية متصلة، تعتمد على أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية وأنظمة التعريف الآلي وخرائط الملاحة الإلكترونية وأنظمة التحكم في المحركات. وقد سجلت مناطق بحرية حساسة في الخليج والبحر الأحمر والبحر الأسود وبحر البلطيق حالات تشويش وتضليل على إشارات تحديد المواقع، وهو ما يعرض السفن لخطر الانحراف عن مسارها أو الاصطدام أو الاحتجاز غير المقصود. وتزداد خطورة ذلك في الممرات الضيقة التي تمر بها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، مثل قناة السويس ومضيق هرمز ومضيق ملقا، حيث يؤدي أي اضطراب في الحركة إلى أثر عالمي فوري. ومن هنا صار تأمين أنظمة الملاحة والاتصال على السفن جزءا من سلامة الملاحة ذاتها وليس مسألة منفصلة عنها.
التشريعات والتعاون الدولي لحماية استقرار التجارة العالمية
أدركت الجهات التنظيمية أن حماية التجارة تتطلب قواعد ملزمة وليست توصيات اختيارية. فقد ألزمت المنظمة البحرية الدولية، منذ يناير 2021، الشركات المشغلة للسفن بإدراج مخاطر الأمن السيبراني ضمن أنظمة إدارة السلامة لديها. ووضعت الاتحادات الدولية لهيئات التصنيف متطلبات موحدة للأمن السيبراني في السفن الجديدة والأنظمة المركبة عليها تسري على السفن المتعاقد عليها بدءا من منتصف 2024. وفي الولايات المتحدة أصدر خفر السواحل قواعد نهائية لتعزيز الأمن السيبراني في قطاع النقل البحري ومنشآته. وفي أوروبا يشمل التوجيه المعروف باسم إن آي إس 2 قطاعات النقل ومنها النقل البحري، ويفرض التزامات أشد في إدارة المخاطر والإبلاغ عن الحوادث.
وعلى مستوى الشركات، تتجه المؤسسات الكبرى إلى بناء قدرات تتجاوز منع الاختراق إلى ما يعرف بالصمود السيبراني، أي الاحتفاظ بنسخ احتياطية معزولة وتقسيم الشبكات بحيث لا ينتقل الضرر من نظام إلى آخر، وتدريب العاملين على الاستجابة للحوادث، ومراجعة أمن المورد قبل التعاقد معه. كما يتزايد تبادل المعلومات عن التهديدات بين شركات الشحن والموانئ والجهات الحكومية، لأن المهاجمين يستهدفون الحلقات نفسها في أكثر من بلد في وقت متقارب، والإنذار المبكر عند طرف واحد قد ينقذ أطرافا كثيرة. وتبرز في هذا السياق أهمية بناء مراكز استجابة وطنية وإقليمية متخصصة بالقطاع البحري واللوجستي، خاصة للدول التي تقوم اقتصاداتها على موقعها كمحور عبور تجاري.






























