بات متصفح الإنترنت في السنوات الأخيرة نقطة الارتكاز الرئيسية للعمل المؤسسي الحديث، إذ تُدار من خلاله تطبيقات الأعمال والخدمات السحابية ومنصات التعاون وإدارة البيانات. ومع انتقال الجزء الأكبر من النشاط الرقمي إلى المتصفح، انتقلت معه أيضًا أنظار المهاجمين الإلكترونيين الذين وجدوا في هذه البيئة أرضًا خصبة لتنفيذ عمليات الاختراق دون الحاجة إلى استهداف الشبكات التقليدية أو حتى أجهزة المستخدمين بشكل مباشر.
وتشير المعطيات الحديثة إلى أن معظم حوادث الاختراق الكبرى أصبحت تبدأ من جلسة متصفح، بل إن كثيرًا من سلاسل الهجوم الكاملة، بدءًا من الوصول الأولي ووصولًا إلى سرقة البيانات، تتم داخل المتصفح ذاته. وفي هذا السياق، حدد خبراء الأمن السيبراني ست تقنيات هجومية تُعد الأخطر والأكثر انتشارًا خلال عام 2026، ما يفرض على فرق الأمن مراجعة استراتيجيات الحماية التقليدية التي لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الحديثة.
التصيد الاحتيالي يتجاوز سرقة كلمات المرور إلى اختطاف الجلسات
لم يعد التصيد الاحتيالي يقتصر على الحصول على اسم المستخدم وكلمة المرور كما كان في السابق، بل تطورت أدوات المهاجمين لتستهدف الجلسات الحية للمستخدمين. وتعتمد مجموعات التصيد الحديثة على ما يُعرف بهجمات “الرجل في المنتصف” العكسية، حيث يتم اعتراض بيانات الاعتماد ورموز الجلسات الإلكترونية في الوقت الفعلي.
وأصبحت منصات التصيد كخدمة توفر أدوات جاهزة مثل Tycoon2FA وSneaky2FA وEvilginx، بما يشمل توليد صفحات احتيالية ديناميكية وأنظمة حماية من اكتشاف الروبوتات وإعادة تشغيل الجلسات المسروقة تلقائيًا. ونتيجة لذلك، انخفضت العوائق التقنية أمام تنفيذ الهجمات المتطورة بشكل غير مسبوق.
كما لم يعد البريد الإلكتروني الوسيلة الوحيدة لنشر روابط التصيد، إذ يستغل المهاجمون تطبيقات المراسلة الفورية ومنصات التواصل الاجتماعي والرسائل النصية والإعلانات الخبيثة وأنظمة المراسلة داخل التطبيقات. وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع قصر عمر النطاقات الاحتيالية التي غالبًا ما تختفي خلال أيام معدودة، ما يجعل الاعتماد على قوائم الحجب التقليدية أقل فاعلية من أي وقت مضى.
“كليك فيكس” والهندسة الاجتماعية الجديدة عبر أوامر النسخ واللصق
منذ أواخر عام 2024 ظهرت تقنية جديدة تُعرف باسم ClickFix، سرعان ما تطورت لتصبح أحد أبرز أساليب الاختراق الأولي. وتعتمد الفكرة على إقناع المستخدم بنسخ أوامر برمجية وتنفيذها بنفسه بحجة إصلاح مشكلة تقنية أو اجتياز اختبار تحقق مزيف أو صفحة CAPTCHA وهمية.
وتكمن خطورة هذه التقنية في امتزاجها بين الخداع النفسي والاستغلال التقني، حيث يبدأ الهجوم من المتصفح لكنه ينتقل إلى الجهاز عندما ينفذ المستخدم الأمر الضار محليًا، ما يؤدي عادة إلى تثبيت برمجيات سرقة المعلومات أو أدوات التحكم عن بعد.
وتطورت الحملة لاحقًا عبر أساليب أكثر تعقيدًا مثل InstallFix التي تستغل صفحات تنزيل مزيفة لأدوات تطوير وبرامج ذكاء اصطناعي شهيرة، حيث يتم استبدال أوامر التثبيت الأصلية بأخرى خبيثة. كما ظهرت حملات تستخدم منصات الذكاء الاصطناعي والمحادثات المشتركة لنشر البرمجيات الضارة عبر نطاقات موثوقة ظاهريًا، غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو دفع الضحية إلى إجراء عملية “نسخ ولصق” ملوثة داخل المتصفح.
التصيد بالتفويض.. عندما تصبح المصادقة متعددة العوامل بلا جدوى
شهد عام 2026 صعود نوع جديد وخطير من الهجمات يُعرف باسم “التصيد بالتفويض” أو Authorization Phishing، وهو لا يستهدف كلمات المرور ولا الجلسات، بل يركز على استغلال آليات OAuth التي تسمح للتطبيقات بالحصول على صلاحيات للوصول إلى الحسابات.
ويستغل المهاجمون طلبات الموافقة الممنوحة للتطبيقات أو تدفقات رموز الأجهزة أو عمليات تبادل الرموز للحصول على صلاحيات وصول مباشرة إلى الحسابات المستهدفة. وبما أن المهاجم لا يتدخل في عملية المصادقة نفسها، فإن تقنيات الحماية التقليدية وحتى مفاتيح المرور المقاومة للتصيد تصبح غير ذات تأثير عملي.
وتندرج تحت هذا النوع عدة أساليب، أبرزها التصيد بالموافقة الذي يدفع الضحية للموافقة على تطبيق خبيث، والتصيد عبر رموز الأجهزة الذي يلتف على إجراءات التحقق المعتادة، فضلًا عن تقنية ConsentFix التي تمثل مزيجًا بين ClickFix واستغلال OAuth، وانتقلت من الاستخدام في حملات متقدمة مرتبطة بجهات مدعومة حكوميًا إلى أدوات متاحة للمجرمين الإلكترونيين.
إضافات المتصفح.. الخطر الصامت داخل بيئة العمل
تُعد إضافات المتصفح واحدة من أكثر نقاط الضعف إغفالًا داخل المؤسسات، رغم قدرتها على الوصول إلى بيانات حساسة واعتراض كلمات المرور وتتبع ضغطات المفاتيح وسرقة رموز الجلسات.
واللافت أن العديد من الإضافات الخبيثة لم تبدأ أصلًا بهذا الشكل، إذ يلجأ المهاجمون إلى شراء إضافات شرعية تحظى بقاعدة مستخدمين كبيرة، ثم يطلقون تحديثات خبيثة بعد ضمان انتشارها على نطاق واسع.
وتزداد المخاطر مع الانتشار الكبير لإضافات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل، حيث تقوم بعض الفرق والموظفين بتثبيت أدوات غير مصرح بها خارج الأطر المؤسسية. ويخلق ذلك مسارات جديدة لتسرب البيانات بعيدًا عن أنظمة منع فقدان البيانات التقليدية.
ويؤكد خبراء الأمن أن الاعتماد على تقييمات المخاطر الثابتة للإضافات لم يعد كافيًا، لأن كثيرًا من حوادث الاختراق الأخيرة استهدفت إضافات كانت تُصنف سابقًا على أنها منخفضة المخاطر، ما يدفع المؤسسات إلى اعتماد سياسة السماح المسبق والمراقبة المستمرة للتحديثات والتغييرات.
كلمات المرور لا تزال ثغرة قاتلة رغم انتشار الدخول الموحد
على الرغم من التوسع في استخدام حلول الدخول الموحد SSO، فإن الهجمات القائمة على بيانات الاعتماد لا تزال من أبرز أسباب الاختراقات المؤسسية.
ويُرجع الخبراء ذلك إلى انتشار ما يُعرف بـ”عمليات الدخول الشبحية”، وهي حسابات وتسجيلات دخول بديلة تبقى مفعلة خارج منظومة الدخول الموحد بعد اعتماد التطبيقات أو الخدمات المختلفة. وغالبًا ما تكون هذه الحسابات غير مرئية لمسؤولي الأمن ولا تخضع لرقابة أنظمة الهوية المركزية.
وتتيح هذه الثغرات للمهاجمين تنفيذ هجمات حشو بيانات الاعتماد Credential Stuffing، والتي تعتمد على تجربة كلمات مرور مسربة أو معاد استخدامها على نطاق واسع. وتزداد المشكلة تعقيدًا في ظل استمرار استخدام كلمات مرور ضعيفة أو مكررة وعدم تفعيل المصادقة متعددة العوامل في عدد كبير من الحسابات.
اختطاف الجلسات.. تجاوز كامل لعمليات المصادقة
يُعد اختطاف الجلسات من أخطر الأساليب التي تواجه المؤسسات حاليًا، إذ يسمح للمهاجم باستخدام رمز جلسة مسروق للدخول إلى الحساب مباشرة دون الحاجة لمعرفة كلمة المرور أو تجاوز المصادقة متعددة العوامل.
وتأتي برمجيات سرقة المعلومات على رأس مصادر رموز الجلسات المسروقة، خاصة مع انتشار هجمات ClickFix التي أصبحت وسيلة رئيسية لنشر هذه البرمجيات. كما تمثل الأجهزة الشخصية غير الخاضعة لإدارة المؤسسات بيئة مثالية لنجاح مثل هذه الهجمات بسبب غياب أدوات المراقبة والاستجابة المتقدمة.
وتبرز ميزة مزامنة المتصفحات كعامل إضافي للمخاطر، حيث قد يؤدي اختراق حساب شخصي مرتبط بالمتصفح إلى انتقال التأثير مباشرة إلى الحسابات المؤسسية المتصلة به، وهو سيناريو بات يحظى باهتمام متزايد داخل دوائر الأمن السيبراني.
ومع استمرار انتقال العمليات المؤسسية إلى التطبيقات السحابية، يتضح أن المتصفح لم يعد مجرد أداة للوصول إلى الإنترنت، بل أصبح خط الدفاع الأول وساحة المواجهة الرئيسية بين المؤسسات والمهاجمين. ولذلك فإن حماية البريد الإلكتروني أو الشبكات أو الأجهزة فقط لم تعد استراتيجية كافية، في وقت تتطور فيه الهجمات لتتركز بشكل متزايد داخل بيئة المتصفح نفسها، مستغلة الثغرات السلوكية والتقنية التي غالبًا ما تمر خارج نطاق الرؤية الأمنية التقليدية.



























