نجحت السلطات الأسترالية في تنفيذ واحدة من أبرز العمليات السيبرانية الهجومية خلال العام الجاري، بعدما تمكنت من اختراق البنية الخلفية لبرمجية “أمادي” الخبيثة (Amadey Malware) وقطع الاتصال بين مشغليها الإجراميين ونحو 180 ألف جهاز مصاب حول العالم، في خطوة تعكس تصاعد نهج “الدفاع النشط” الذي تتبناه الحكومات لمواجهة شبكات الجريمة الإلكترونية العابرة للحدود.
وأعلن جهاز الإشارات الأسترالي (ASD)، المسؤول عن الاستخبارات الإلكترونية والأمن السيبراني الخارجي، أن عناصره تمكنوا من الوصول إلى المنصة الخلفية التي يستخدمها أحد مشغلي برمجية أمادي، ثم فصلوا خوادم التحكم والسيطرة الخاصة به عن الأجهزة الضحية، ما أدى إلى حرمان المهاجم من الوصول المستمر إلى تلك الأنظمة أو سرقة المزيد من البيانات منها.
ويؤكد هذا التطور أن الحكومات لم تعد تكتفي بإصدار التحذيرات أو مراقبة التهديدات، بل أصبحت تنفذ عمليات تقنية هجومية تستهدف البنية التحتية للمجرمين السيبرانيين أنفسهم، بعد الحصول على الموافقات القانونية والرسمية اللازمة.
ما هي برمجية أمادي ولماذا تشكل خطراً؟
ظهرت برمجية أمادي لأول مرة كنموذج “البرمجيات الخبيثة كخدمة” عام 2018، حيث تُباع لمجرمين إلكترونيين مختلفين يمكن لكل منهم تشغيل لوحة تحكم مستقلة وخوادم خاصة لإدارة ضحاياه.
وتعمل البرمجية بعد إصابة الأجهزة على التواصل مع خادم القيادة والسيطرة التابع للمهاجم، ثم تنفيذ الأوامر الواردة منه. ورغم أن وظيفتها الأساسية تتمثل في تنزيل وتشغيل برمجيات خبيثة إضافية، فإنها قادرة أيضاً على سرقة بيانات الاعتماد وكلمات المرور ومنح المهاجم وصولاً بعيداً إلى الجهاز المصاب.
ومن أشهر البرمجيات التي يجري نشرها عبر أمادي برنامج StealC المتخصص في سرقة المعلومات الحساسة، بما في ذلك بيانات تسجيل الدخول وملفات تعريف الارتباط الخاصة بالجلسات النشطة.
واعتمد القائمون على نشر أمادي خلال السنوات الماضية على وسائل متنوعة لإصابة الضحايا، من بينها تحديثات البرامج المزيفة، ونسخ البرامج المقرصنة، وأدوات التحميل الخبيثة المستخدمة لنشر البرمجيات الضارة على نطاق واسع.
عملية هجومية سيبرانية لقطع الاتصال بالمجرمين
بحسب المسؤولين الأستراليين، لم تقتصر العملية على اختراق البنية الخلفية للمنصة الإجرامية، وإنما تضمنت كذلك فصل خادم التحكم والسيطرة عن جميع الأجهزة المرتبطة به.
ويعني ذلك عملياً أن المشغل الإجرامي فقد القدرة على إرسال أوامر جديدة إلى الأجهزة المصابة ضمن تلك الشبكة، كما فقد إمكانية الاستمرار في جمع المعلومات أو التحكم بالأنظمة التي كانت تعمل ضمن شبكة الروبوتات الخبيثة.
لكن خبراء الأمن السيبراني يشيرون إلى أن هذا النوع من العمليات لا يمحو بالضرورة الأضرار السابقة. فبيانات الاعتماد التي تمت سرقتها قبل تنفيذ عملية التعطيل قد تبقى بحوزة المهاجمين لفترات طويلة، ويمكن استخدامها لاحقاً في عمليات اختراق أخرى أو بيعها داخل أسواق الجرائم الإلكترونية.
كما أن ملفات تعريف الارتباط المسروقة قد تسمح للمهاجمين بتجاوز بعض طبقات التحقق الأمني، بما فيها المصادقة متعددة العوامل، وهو ما يجعل عملية تغيير كلمات المرور وإبطال الجلسات النشطة خطوة ضرورية حتى بعد تعطيل البنية الإجرامية.
أمادي هدف متكرر للعمليات الدولية
توضح التحقيقات الأمنية أن الشبكة التي استهدفتها أستراليا ليست سوى واحدة من عشرات شبكات أمادي النشطة عالمياً.
فوفقاً لتحليلات شركة ESET، جرى رصد ما لا يقل عن 53 شبكة روبوتات منفصلة تعتمد على برمجية أمادي، مع امتلاك كل شبكة لبنيتها الخاصة وخوادمها المستقلة، ما يعني أن تعطيل شبكة واحدة لا يؤدي تلقائياً إلى انهيار المنظومة بالكامل.
وقد تعرضت البنية التحتية المرتبطة بأمادي لضربة كبيرة أخرى خلال يونيو 2026 ضمن عملية دولية واسعة أُطلق عليها اسم “Operation Endgame”، شاركت فيها جهات إنفاذ القانون وشركات الأمن السيبراني الخاصة.
واستهدفت العملية حينها خوادم مرتبطة ببرمجيات أمادي وStealC وSocGholish، في إطار حملة عالمية لتعطيل الخدمات الإجرامية التي تستخدم لتوزيع البرمجيات الضارة وسرقة المعلومات.
وتعد أستراليا إحدى الدول التسع المشاركة في عملية Endgame الدولية، وهو ما يعكس تنامي التعاون بين الحكومات الغربية في مواجهة الاقتصاد الإجرامي الرقمي الذي يعتمد على شبكات عالمية موزعة يصعب ملاحقتها داخل نطاق قضائي واحد.
تدمير 5 تيرابايت من البيانات المسروقة
وفي تطور منفصل كشف عنه جهاز الإشارات الأسترالي، تلقت السلطات معلومات استخباراتية تفيد بعرض كمية ضخمة من البيانات المسروقة للبيع عبر جهات إجرامية إلكترونية.
ووفقاً للمعطيات الرسمية، بلغ حجم البيانات نحو خمسة تيرابايت، وكانت تعود إلى شركة لم تكن تعلم أساساً أنها تعرضت للاختراق.
وضمت المعلومات المسروقة وثائق أعمال وبيانات شخصية وبيانات اعتماد وكلمات مرور تخص أعداداً كبيرة من المستخدمين. وبعد الوصول إلى موقع تخزين البيانات، تمكنت الفرق الأسترالية من حذفها وتدميرها قبل بيعها أو إعادة تداولها.
وتشير التقديرات إلى أن البيانات التي جرى تدميرها تضمنت نحو 4.8 مليون ملف يخص مواطنين أستراليين، فضلاً عن مئات الآلاف من الملفات المرتبطة بأشخاص وجهات في دول أخرى، الأمر الذي حال دون وقوع موجة واسعة من عمليات الاحتيال وسرقة الهوية والابتزاز الإلكتروني.
وتعكس هذه العمليات تحولاً لافتاً في طبيعة المواجهة مع الجرائم السيبرانية، إذ لم يعد التركيز ينصب فقط على حماية الشبكات والدفاع عنها، بل امتد إلى استهداف البنى التحتية للمهاجمين وتعطيل قدراتهم التشغيلية مباشرة، في محاولة لتقليص العوائد الاقتصادية لشبكات الجريمة الإلكترونية وإضعاف قدرتها على مواصلة أنشطتها الإجرامية على المستوى العالمي.































