كشفت شركة Proofpoint خلال مؤتمر Protect 2026 أن الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولاً جذرياً في طبيعة رسائل التصيد والاحتيال الإلكتروني، إلى درجة أن العديد من المؤشرات السلوكية التي اعتمدت عليها أنظمة الحماية البريدية لسنوات طويلة بدأت تفقد فعاليتها. وتؤكد الشركة أن المهاجمين أصبحوا قادرين على إنتاج رسائل مقنعة وشخصية ومصممة لكل ضحية على حدة، مما يستدعي انتقال المؤسسات من تحليل “شكل الرسالة” إلى تحليل “الهدف الحقيقي من الرسالة”.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟
في السابق، كانت رسائل الاحتيال تكشف نفسها غالباً من خلال الأخطاء اللغوية، أو الصياغات الركيكة، أو إعادة استخدام القوالب نفسها عبر آلاف الضحايا. وكان ذلك يوفر لأنظمة الحماية فرصة كبيرة لاكتشاف الأنماط المتكررة وربطها ببنى تحتية معروفة للمهاجمين.
أما اليوم، فقد أزالت نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة كثيراً من هذه القيود. فالمهاجم لم يعد بحاجة إلى إتقان اللغة المستهدفة أو إجراء بحوث طويلة حول الضحية أو كتابة مئات النسخ المختلفة من الرسالة. يستطيع النموذج اللغوي القيام بذلك خلال ثوان معدودة، منتجاً رسائل سليمة لغوياً، ومتوافقة مع السياق، ومصممة خصيصاً لكل مستلم.
وتشير Proofpoint إلى أن الذكاء الاصطناعي غيّر أربعة عناصر أساسية في الهجمات البريدية:
- إنتاج نصوص احترافية خالية من الأخطاء اللغوية.
- فهم السياق الوظيفي والزمني للمستهدف.
- تقليد أساليب الكتابة والتوقيعات المهنية.
- إنشاء رسائل فريدة لكل مستلم بدلاً من استخدام قوالب موحدة.
أكثر من 30 محادثة مختلفة بهدف واحد
قدمت الشركة مثالاً واقعياً استهدف شركة عقارية، حيث تواصل مهاجم مع أكثر من 30 وسيطاً عقارياً من خلال عشرات الحسابات المختلفة. كل رسالة كانت تتحدث عن عقار مختلف، وبأسلوب لغوي مختلف، وبسياق مختلف تماماً.
بعض الرسائل تضمنت استفسارات عن سعر العقار، وأخرى عن إمكانية المعاينة، بينما ناقشت رسائل أخرى مواعيد الزيارات. وبالرغم من هذا التنوع الكامل، انتهت جميع المحادثات بطلب واحد متكرر: الانضمام إلى اجتماع مرئي عبر الإنترنت.
ووفقاً للتقرير، فإن أنظمة الكشف التقليدية واجهت صعوبة في التعامل مع هذه الحملة لأن كل رسالة بدت طبيعية ومستقلة، ولم يكن هناك قالب متكرر أو محتوى متشابه يسهل اكتشافه. ما جمع الرسائل لم يكن شكلها، بل الغاية التي تسعى إليها.
من سرقة البيانات إلى حملات الإزعاج المنظمة
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على سرقة البيانات وكلمات المرور. فقد أوضحت Proofpoint أن بعض الجهات تستغل النماذج التوليدية لتنفيذ حملات إزعاج واستنزاف ضد الشركات والمديرين التنفيذيين.
وتعتمد هذه الحملات على إرسال مئات أو آلاف الرسائل المختلفة ظاهرياً إلى الشخص المستهدف، مع استخدام محتوى أو صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تحمل رسائل عدائية أو ساخرة. وبما أن كل رسالة تبدو منفصلة عن الأخرى، فإن تحليل الرسائل فردياً يصبح غير كافٍ لرصد النشاط العدائي المنظم.
شرعية مزيفة يصعب اكتشافها
تناولت الدراسة أيضاً تطور خدمات التصيد (Phishing-as-a-Service)، حيث أصبح بالإمكان تشغيل السيناريو الاحتيالي نفسه خلف واجهات مختلفة تماماً.
فقد تستخدم الحملة مرة واجهة بوابة قضائية، ومرة أخرى خدمة توقيع مستندات، وفي حملة ثالثة تبدو كمنصة تقارير مالية. لكن الهدف النهائي يبقى واحداً: دفع المستخدم إلى تنفيذ إجراء يفيد المهاجم. وتؤكد Proofpoint أن الذكاء الاصطناعي جعل تغيير المظهر والسردية أمراً بالغ السهولة، بينما بقيت النية الإجرامية ثابتة.
الاحتيال عبر البريد الإلكتروني التجاري أصبح أكثر إقناعاً
من الأمثلة الأخرى التي استعرضتها الشركة هجمات الاحتيال المالي المعروفة باسم BEC.
في السابق كان إعداد سيناريو مالي مقنع يتطلب جهداً كبيراً من المهاجم، أما الآن فيمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء سلسلة رسائل متكاملة تتضمن محادثات مزيفة وفواتير تفصيلية ومراسلات تبدو حقيقية بين مورّد ومسؤول تنفيذي.
والنتيجة هي رسائل تبدو شرعية بالكامل من الناحية اللغوية والتنظيمية، رغم أن غايتها النهائية هي تحويل الأموال إلى حسابات يسيطر عليها المهاجمون.
الانتقال من تحليل السلوك إلى تحليل النوايا
ترى Proofpoint أن المستقبل يكمن في ما تسميه “الكشف القائم على النية” (Intent-Based Detection).
فبدلاً من سؤال النظام:
- هل تبدو هذه الرسالة غريبة؟
- هل تحتوي على أخطاء لغوية؟
- هل أرسلها المهاجم من بنية تحتية مشبوهة؟
يصبح السؤال الأهم:
- ماذا تحاول هذه الرسالة أن تدفع الضحية إلى فعله؟
وتضرب الشركة مثالاً بطلب تغيير بيانات الحساب البنكي لأحد الموردين. الرسالة قد تأتي من بريد إلكتروني حقيقي وبصياغة احترافية وضمن سلسلة مراسلات قائمة بالفعل، لكن تحليل النية يكشف علامات مريبة مثل:
- طلب تغيير بنكي غير معتاد بعد سنوات من الثبات.
- عدم ارتباط الطلب بسياق المحادثة الأصلية.
- الإلحاح على تنفيذ التحويل في موعد محدد.
- طلب إبقاء التواصل خارج سلسلة الرسائل المعتادة.
- تعطيل وسائل التحقق التقليدية بحجج إدارية أو تقنية.
الدفاع بالذكاء الاصطناعي ضد الذكاء الاصطناعي
لمواجهة هذا التحول، أوضحت Proofpoint أنها تعتمد نموذجاً متعدد الطبقات للتحليل.
فالرسائل العادية تخضع لتحليل سريع خلال أجزاء من الثانية باستخدام التعلم الآلي ومصادر التهديدات المعروفة. أما الرسائل الأكثر تعقيداً فتنتقل إلى طبقات أعمق تعتمد على النماذج اللغوية المتقدمة وتحليل العلاقات التنظيمية والسياق المؤسسي. وفي الحالات الأكثر غموضاً فقط يتم اللجوء إلى تحليل معمق قد يستغرق عدة دقائق ويشمل النصوص والصور والصوت والفيديو.
تحول استراتيجي مهم
تكشف نتائج Proofpoint عن تحول استراتيجي مهم في عالم الأمن السيبراني: المؤشرات السلوكية التي كانت كافية لعقدين تقريباً لم تعد توفر المستوى نفسه من الحماية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالمهاجمون أصبحوا قادرين على إنتاج رسائل مخصصة ومقنعة وعلى نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة. ولذلك فإن أنظمة الحماية الحديثة مطالبة بالتركيز على تحليل الهدف النهائي للهجوم وسياقه التشغيلي، بدلاً من الاكتفاء بتحليل الأسلوب اللغوي أو الأنماط السلوكية التقليدية التي بات الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاتها وإخفائها.































