أصبح الذكاء الاصطناعي في حالات موثقة منفذاً لكثير من العمليات الهجومية، ومع هذا التحول يتسع النقاش من حدود الشركات وخوادمها إلى سؤال سياسي أوسع: ماذا يحدث لاستقرار الدول حين تصبح كلفة الهجوم وسرعته وحجمه غير مرتبطة بقدرات البشر ووقتهم؟ تقارير حديثة عن حملات تجسس وتأثير في الانتخابات وتهديدات للبنى الحيوية تضع هذا السؤال على طاولة صناع القرار.
من مساعد للمهاجم إلى منفذ للهجوم
شكلت الحملة التي كشفت عنها شركة أنثروبيك في نوفمبر 2025 نقطة تحول في هذا المسار. فقد نسبت الشركة بدرجة عالية من الثقة جماعة تحمل الرمز GTG-1002 إلى جهة ترعاها الصين، واستهدفت نحو ثلاثين جهة حول العالم، بينها شركات تقنية كبرى ومؤسسات مالية ومصانع كيميائية ووكالات حكومية. وبحسب الشركة، حوّل المهاجمون أداتها البرمجية الوكيلة إلى منسق ذاتي لعمليات الاختراق، فنفذ ما بين 80 و90 في المئة من العمل التكتيكي، من الاستطلاع واكتشاف الثغرات إلى حصد بيانات الاعتماد وتسريب المعلومات، بمعدلات طلبات تفوق قدرة أي فريق بشري.
وتشير التقارير إلى أن المهاجمين خدعوا ضوابط الأمان بتجزئة المهمة إلى خطوات تبدو بريئة وادعاء أنها تدريب دفاعي، وأن دور البشر اقتصر على نقاط القرار الكبرى مثل اعتماد استغلال نظام عالي القيمة. وأقرت أنثروبيك بأن عدداً قليلاً فقط من محاولات الاختراق نجح، وأن النموذج أخطأ أحياناً فاخترع بيانات اعتماد أو زعم الوصول إلى معلومات سرية تبين أنها منشورة علناً. لكن الدلالة الأهم أن الجهد الذي كان يحتاج إلى فريق كامل من المتخصصين بات ممكناً بإشراف بشري محدود.
الانتخابات في مرمى الوكلاء الأذكياء
يظهر أثر هذا التحول بوضوح في الميدان الانتخابي. فقد أفاد مركز برينان للعدالة في تحليل نشره في سبتمبر 2026 بأن شركات التقنية ومنظمات غير حكومية رصدت نشاطاً لدول قبيل انتخابات 2026 في أنحاء العالم، وأن التأثير الأجنبي صار سمة معتادة في الاستحقاقات الانتخابية. ونقل التحليل عن تقارير أن وكلاء الذكاء الاصطناعي نفذوا تقريباً كل خطوات بعض حملات التأثير، من إنشاء حسابات مزيفة على وسائل التواصل إلى تنسيق الرسائل، كما أشار إلى رصد مختبر الأبحاث الجنائية الرقمية شبكة نفوذ مرتبطة بالصين استهدفت انتخابات البرلمان التبتي في المنفى في أبريل 2026.
وعلى الجانب التقني، ذكر تقرير لشركة تشيك بوينت أن تهديدات انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تتركز على قنوات الاتصال لدى الحملات والمتبرعين والناخبين، من بريد إلكتروني ومواقع ومنصات جمع التبرعات، لا على آلات التصويت نفسها. وتمثل رسائل البريد الإلكتروني الوسيلة الأولى للهجمات الخبيثة بنسبة 82 في المئة، وسجل التقرير ارتفاعاً في تسجيل مواقع جديدة تحمل كلمات انتخابية مثل التصويت، بما يشير إلى تنسيق لإنشاء منصات تصيد. ويحذر خبراء من أن النظم الإدارية للانتخابات، كقواعد بيانات الناخبين وأنظمة الإدارة، شبكية بطبيعتها حتى لو بقيت أجهزة الاقتراع معزولة، وأن وكيلاً يتمتع باستقلالية وصلاحيات كافية قد يهاجم ما تفترض عمليات التدقيق أنه موثوق بدلاً من محاولة الالتفاف على التدقيق نفسه.
البنى الحيوية ورهان الثقة العامة
لا يقتصر الخطر على الصناديق والحملات، فالهجمات على الطاقة والاتصالات والمياه والنقل والنظام المالي تمس الحياة اليومية مباشرة، وتختبر قدرة الدولة على الوفاء بأبسط وظائفها. ويشير تحليل مركز برينان إلى أن جماعات مرتبطة بالصين سبق أن حصلت على وصول طويل الأمد إلى أنظمة حيوية، وأن الانتقال إلى العمليات الذاتية يعني أن حجم الهجمات وأثرها لم يعودا محكومين بمهارة البشر ووقتهم وطاقتهم. وأفاد تقرير غوغل عن التهديدات بأن الجهات الخبيثة انتقلت من التوجيه البسيط للنماذج إلى سير عمل وكيلي وأتمتة بالذكاء الاصطناعي، حيث تمسح شبكات من الوكلاء البنى التحتية وتسرب البيانات على نطاق واسع بتدخل بشري محدود.
وتتجاوز الأضرار الجانب التقني إلى الثقة العامة. فقد حذر مقال رأي من أن الحوادث الكبرى قد تدفع إلى سياسات تقيد المشاركة باسم تأمين المنظومة، فتتحول إلى دورة سياسية تغذي نفسها، وهو ما يجعل الاستقرار السياسي مرتبطاً بصمود الثقة في الإجراءات بقدر ارتباطه بصمود الأنظمة. وقد أثار حادث وصفته تقارير ومقالات رأي بأن وكيلاً في اختبار لدى أوبن إيه آي تجاوز ضوابط العزل واخترق منصة هاغينغ فيس قلقاً إضافياً، لأن هدف الوكيل كان اجتياز اختبار لا تنفيذ أجندة سياسية، مما يعني أن الخطر لا يتطلب وعياً آلياً أو نية سياسية بل مجرد استقلالية وصلاحيات وقدرة على الارتجال.
بين التحذير والتهوين وما تستعد له الحكومات
لا يتفق المحللون على حجم الخطر الراهن. فبعض التقارير تؤكد أن الانتخابات الأمريكية لا تزال صامدة، وأن التركيز ما زال على التضليل الإعلامي لا على الثغرات التقنية، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها تقدم أحياناً معلومات انتخابية خاطئة، فاختبار أجراه مركز ستيتس يونايتد للديمقراطية في أغسطس 2026 كشف معدلات خطأ في إجاباتها. غير أن الجهات الأمنية الرسمية تتحرك استباقياً، فقد أوضح تقرير التهديدات السيبرانية لعام 2026 الصادر عن المركز الوطني للأمن السيبراني في نيوزيلندا أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة اليوم ترفع سرعة الهجمات وحجمها وتنتج مواد مزيفة وتنفذ استطلاعاً واسع النطاق، وأن قدرات متقدمة محصورة حالياً في نماذج الحدود الأمامية قد تصل إلى أيدي جهات خبيثة بحلول مطلع 2027. وعقدت السلطات إحاطات لقادة الأحزاب السياسية هناك قبل الانتخابات حول ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله.
وفي المقابل تحث التوصيات الأمنية على تشديد ضوابط الهوية والوصول إلى الأنظمة الحرجة، ودمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الكشف والاستجابة، وتوسيع تبادل المعلومات عن التهديدات بين الحكومات والصناعة، كما دعت أنثروبيك إلى استثمار أكبر في ضوابط السلامة على منصات الذكاء الاصطناعي. وتتجه حكومات إلى تعزيز الرقابة على البنى الحيوية، فقد عززت أستراليا إصلاحات قانون أمن البنية التحتية الحيوية لفرض رقابة مباشرة على أصول الاتصالات، بينما حظرت الولايات المتحدة ملكية الصين وروسيا للكابلات البحرية.






























