كيف تنتقل مخاطر الأمن السيبراني إلى سير العمل والذكاء الاصطناعي؟

كشف أحدث إصدار من تقرير Voice of the CISO 2026 أن المشهد الأمني العالمي يشهد تحولًا جذريًا يتجاوز مجرد زيادة الهجمات الإلكترونية أو تضخم حجم التهديدات، حيث انتقل مركز الثقل الحقيقي للمخاطر السيبرانية من محيط الشبكات والبنية التحتية التقليدية إلى قلب بيئات العمل الرقمية نفسها، في ظل التوسع المتسارع لاستخدام الذكاء الاصطناعي ومنصات التعاون والحوسبة السحابية وتطبيقات البرمجيات كخدمة.

ويعكس التقرير، الذي استند إلى آراء نحو 1600 مسؤول أمن معلومات تنفيذي حول العالم، تحولًا نوعيًا في طبيعة مسؤوليات قادة الأمن السيبراني، إذ لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل فقط في صد الهجمات القادمة، بل في حماية البيانات أثناء تنقلها بين الموظفين والتطبيقات والخدمات السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العمليات اليومية للمؤسسات.

خمس سنوات من التغيرات تعيد رسم خريطة المخاطر

يشير التقرير إلى أن قراءة اتجاهات الأمن السيبراني من منظور سنوي لم تعد كافية لفهم ما يحدث فعليًا داخل المؤسسات، ولذلك ركز الباحثون على تحليل البيانات المتراكمة خلال الأعوام الخمسة الماضية.

ورغم أن نتائج عام 2026 أظهرت تراجعًا نسبيًا في عدد مسؤولي أمن المعلومات الذين يتوقعون تعرض مؤسساتهم لهجمات سيبرانية كبرى خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة مقارنة بعام 2025، كما انخفضت معدلات الإبلاغ عن فقدان البيانات الحساسة، فإن الصورة الأوسع تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا.

فالتوقعات المتعلقة بالهجمات شهدت صعودًا وهبوطًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، كما تذبذب مستوى التوافق بين مجالس الإدارات وفرق الأمن، في حين ظلت المخاطر البشرية تشكل عنصرًا ثابتًا ومؤثرًا في جميع الدراسات المتعاقبة.

ويعني ذلك أن التحدي لا يكمن في زيادة عدد المخاطر فحسب، بل في انتقال موقعها إلى أماكن جديدة تتداخل فيها البيانات مع سير العمل اليومي والتطبيقات الذكية وأدوات الأتمتة الحديثة.

الذكاء الاصطناعي يغيّر أجندة مسؤولي الأمن السيبراني

لعل أكثر المؤشرات دلالة في التقرير هو الارتفاع الحاد في مستويات القلق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.

ففي عام 2024 اعتبر 54% من مسؤولي أمن المعلومات أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل خطرًا أمنيًا، ثم ارتفعت النسبة إلى 60% في عام 2025 قبل أن تصل إلى 78% خلال عام 2026.

ويتزامن هذا التحول مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب المحدودة إلى الاندماج الكامل داخل بيئات العمل، سواء من خلال المساعدات الذكية أو منصات الإنتاجية أو وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ المهام واتخاذ بعض القرارات التشغيلية.

وأمام هذا الواقع، لجأت العديد من المؤسسات إلى فرض قيود على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ويكشف التقرير أن 78% من المؤسسات أصبحت تطبق سياسات تمنع أو تقيّد استخدام الموظفين لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بـ59% فقط في عام 2025.

غير أن التقرير يحذر من الاكتفاء بمنهج الحظر والمنع، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي وليس مجرد تقييده. فالسؤال الأهم أصبح يتعلق بنوعية البيانات التي يمكن للأداة الوصول إليها، والصلاحيات الممنوحة لها، والقرارات التي يمكن أن تؤثر فيها أو تنفذها بشكل مباشر.

ومن هنا باتت قضايا أمن البيانات وإدارة الهويات والصلاحيات تشكل الأساس الحقيقي لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحديثة.

المخاطر البشرية تتصدر قائمة التهديدات

على الرغم من التطورات التقنية الكبيرة، لا تزال المخاطر البشرية تحتل المرتبة الأولى بين مصادر التهديد السيبراني.

وتوضح بيانات التقرير أن نسبة مسؤولي أمن المعلومات الذين يعتبرون الخطأ البشري أو المخاطر المرتبطة بالمستخدمين أكبر نقطة ضعف إلكترونية بلغت 79% في عام 2026، مقارنة بـ56% فقط في عام 2022.

لكن اللافت أن مفهوم “المخاطر البشرية” لم يعد يقتصر على ضعف الوعي الأمني أو الوقوع ضحية لرسائل التصيد الاحتيالي، بل أصبح يشمل طيفًا أوسع من العوامل المرتبطة بالسلوك والصلاحيات وإدارة الهوية الرقمية.

وكشف التقرير أن 93% من المؤسسات التي تعرضت لفقدان جوهري للبيانات أكدت وجود دور للموظفين المغادرين في هذه الحوادث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما شملت أبرز أسباب فقدان البيانات موظفين ذوي نوايا خبيثة، وموظفين مهملين، وحسابات مستخدمين مخترقة، وسوء استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الاختراقات الخارجية ومخاطر الأطراف الثالثة.

ويعني ذلك أن حماية البيانات أصبحت قضية ترتبط بإدارة دورة حياة الموظف كاملة، بدءًا من التوظيف وحتى إنهاء الخدمة، وليس مجرد تنفيذ برامج تدريبية دورية.

مجالس الإدارات تمنح الأمن السيبراني اهتمامًا أكبر

أظهر التقرير أيضًا تغيرًا ملحوظًا في علاقة مسؤولي الأمن السيبراني بمجالس الإدارات.

فبعد سنوات من التذبذب، ارتفعت نسبة مسؤولي أمن المعلومات الذين يرون أن مجالس إداراتهم تتبنى الرؤية نفسها تجاه المخاطر الأمنية إلى 85% خلال عام 2026، وهو أعلى مستوى تم تسجيله منذ بدء الدراسة.

ومع ذلك، فإن هذا التقارب لم يؤدِ إلى تخفيف الضغوط الواقعة على عاتق مسؤولي الأمن، بل أسهم في رفع سقف التوقعات بشكل كبير.

فقد أفاد 77% من قادة الأمن السيبراني بأن المؤسسات أصبحت تضع على عاتقهم توقعات مفرطة مقارنة بالموارد والصلاحيات المتاحة لهم، مقابل 49% فقط عام 2022.

ويرجع ذلك إلى أن مجالس الإدارات لم تعد تنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره قضية تقنية بحتة، وإنما بوصفه عاملًا مؤثرًا في قيمة الشركة واستمرارية الأعمال وسمعة المؤسسة وثقة العملاء والامتثال التنظيمي والعوائد المالية.

الأمن السيبراني في عصر سير العمل الذكي

تكشف الاتجاهات العامة للتقرير أن المؤسسات باتت بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الحماية الإلكترونية بالكامل.

فبدلاً من التركيز التقليدي على حماية الشبكات والأجهزة فقط، أصبح من الضروري التعامل مع الهوية الرقمية ومنصات التعاون والتطبيقات السحابية ومستودعات البيانات وواجهات البرمجة وأدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي باعتبارها مكونات مترابطة ضمن منظومة مخاطر واحدة.

كما يؤكد التقرير أن قياس فعالية الضوابط الأمنية يجب أن يتم داخل البيئات التي يُنجز فيها العمل فعليًا، وليس فقط عند نقاط الحماية التقليدية.

ومع استمرار توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة الرقمية، يبدو أن مستقبل الأمن السيبراني سيعتمد بصورة متزايدة على قدرة المؤسسات على فهم العلاقة المتشابكة بين الأشخاص والبيانات والهويات والتطبيقات والأنظمة الذكية. فالتحدي لم يعد يقتصر على منع الهجوم التالي، بل أصبح يتمثل في ضمان استمرار الأعمال بأمان داخل بيئات أصبحت فيها الإنتاجية والمخاطر وجهين لعملة واحدة.

محمد طاهر
محمد طاهر
المقالات: 2034

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.