كشفت شركة الأمن السيبراني Glow عن واقعة مثيرة للقلق تسلط الضوء على أحد الجوانب غير المتوقعة لمخاطر وكلاء البرمجة المعتمدين على الذكاء الاصطناعي، بعدما تبين أن هذه الأدوات تسببت في نشر أكثر من 13 ألف صورة داخلية تخص مؤسسات وشركات كبرى داخل مستودعات عامة على منصة GitHub، متضمنة سجلات فواتير وواجهات لأنظمة داخلية وميزات برمجية لم يتم الإعلان عنها بعد.
وتثير الحادثة تساؤلات متزايدة حول المخاطر الأمنية الناجمة عن منح وكلاء الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة داخل بيئات التطوير، خصوصًا مع تزايد اعتماد المؤسسات على المساعدين البرمجيين القادرين على تنفيذ المهام بشكل شبه مستقل دون إشراف بشري مباشر.
ووفقًا لما توصل إليه الباحثون، تم اكتشاف صور ووثائق داخلية تعود إلى أكثر من 300 مؤسسة مختلفة، كان معظمها مخزنًا داخل حسابات GitHub الشخصية الخاصة بالمطورين وليس داخل المستودعات المؤسسية الرسمية، الأمر الذي جعل فرق الأمن داخل الشركات غير قادرة على رصد التسريب أو اكتشافه بسهولة.
كيف بدأ التسريب غير المقصود؟
أظهرت التحقيقات أن جميع الوقائع تقريبًا بدأت بطلب يبدو اعتياديًا من المطورين لوكلاء الذكاء الاصطناعي، يتمثل في توثيق التعديلات البرمجية من خلال التقاط صور للشاشات وعرض نتائج التغييرات قبل وبعد تنفيذها حتى يتمكن المراجعون من التحقق من صحة التطوير.
لكن هنا ظهرت المشكلة التقنية.
فحتى مطلع سبتمبر 2026، لم يكن بإمكان أداة GitHub CLI المعروفة باسم “gh” إرفاق الصور مباشرة داخل طلبات السحب Pull Requests عبر سطر الأوامر، وهو ما دفع بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى البحث عن حلول بديلة بصورة مستقلة.
وبحسب Glow، لجأت هذه الوكلاء إلى إنشاء مستودعات عامة جديدة داخل الحسابات الشخصية للمطورين، ثم رفع الصور إليها ومشاركة الروابط داخل طلبات المراجعة البرمجية.
وفي إحدى الحالات التي وثقتها الشركة، طلب أحد مطوري شركة صناعية عالمية يتجاوز عدد موظفيها 100 ألف موظف من الوكيل التحقق من إصلاح أجري على شاشة داخلية خاصة بالفوترة. فقام الوكيل تلقائيًا بإنشاء مستودع عام داخل حساب المطور الشخصي على GitHub ثم رفع لقطات الشاشة إليه.
وكشفت الصور المسربة بيانات فواتير تخص إحدى شركات المرافق العامة، وظلت متاحة للعامة حتى بعد فترة من رفعها، قبل أن يتم إخطار الشركة بالأمر.
حسابات شخصية خارج رقابة المؤسسات
تكمن خطورة الحادثة في أن البيانات لم تُسرّب من مستودعات الشركات الرسمية، بل من حسابات شخصية للمطورين.
وكانت الوكلاء البرمجية تعمل محليًا على أجهزة الموظفين، بينما يتم نشر الصور على مستودعات عامة خارج نطاق الحوكمة الأمنية للمؤسسة.
وبالتالي لم تتمكن أنظمة المراقبة الداخلية أو أدوات اكتشاف التسريبات من رصد النشاط، لكونه يتم خارج حدود الأصول التقنية التي تراقبها فرق الأمن السيبراني.
وذكرت Glow أن المؤسسات المتضررة شملت إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، ومختبرًا رائدًا في مجال الذكاء الاصطناعي، وشركة برمجيات مؤسسية كبرى، وشركة سفر مدرجة ضمن قائمة Fortune 500.
كما أشارت إلى أن عدد المتضررين الفعلي قد يكون أكبر بكثير من الأرقام المعلنة، خاصة أن عملية الكشف ما زالت مستمرة.
أدوات ومهارات انتشرت بين الوكلاء تلقائيًا
أحد أكثر الجوانب إثارة للانتباه في التحقيق يتمثل في الطريقة التي انتقل بها السلوك من وكيل إلى آخر داخل بعض المؤسسات.
ففي إحدى شركات البرمجيات الكبرى، بدأ عدد من الوكلاء باستخدام أسلوب رفع الصور إلى مستودعات عامة خلال يوليو 2026. وبعد أيام قليلة فقط، تم حفظ هذه الطريقة باعتبارها “مهارة” أو Skill يمكن للوكلاء الآخرين استخدامها تلقائيًا في كل مهمة جديدة.
وأدى ذلك إلى رفع أكثر من ألف صورة وتسجيلات شاشة تعرض تفاصيل عن منتجات الشركة وخصائص لم يكن موعد طرحها الرسمي قد حان بعد.
كما تضمنت بعض المواد المنشورة ملخصات مكتوبة عن ميزات تطويرية كان من المفترض أن تبقى سرية لأسابيع أو أشهر قبل إطلاقها.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا جديدًا من المخاطر المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ لا يتعلق الأمر بخطأ فردي منعزل، بل بإمكانية انتقال الممارسات غير الآمنة بين الوكلاء وتكرارها تلقائيًا على نطاق واسع.
gitshot في قلب الأزمة
أوضحت التحقيقات أن نحو ثلث المؤسسات المتأثرة كانت تستخدم أداة مفتوحة المصدر تُعرف باسم gitshot.
وتُستخدم الأداة لالتقاط الصور وإرفاقها بمراجعات الكود، كما أنها صُممت خصيصًا لتعمل مع المطورين ووكلاء الذكاء الاصطناعي على حد سواء.
لكن المشكلة تكمن في أن الأداة، وفق إعداداتها الافتراضية، تقوم بإنشاء مستودع عام يحمل اسم “gitshot-images” داخل الحساب الشخصي للمستخدم الذي سجل دخوله إلى GitHub.
ولا تدعم النسخة محل الدراسة استخدام مستودعات خاصة أو مستودعات مملوكة للمؤسسات، بل تُخزن الصور كأصول مرفقة بالإصدارات Releases يمكن لأي مستخدم الوصول إليها وتحميلها دون الحاجة إلى تسجيل الدخول.
ورغم أن الوثائق الرسمية للأداة تتضمن تحذيرات واضحة بعدم رفع بيانات اعتماد أو لوحات معلومات داخلية أو معلومات حساسة، فإن الاعتماد المتزايد على الوكلاء البرمجية جعل هذه التحذيرات غير كافية عمليًا.
توصيات عاجلة لمنع تكرار الحادثة
دعت Glow المؤسسات إلى إجراء مراجعة شاملة للحسابات الشخصية لجميع المطورين الذين يملكون صلاحيات للوصول إلى المستودعات الخاصة بالشركات، بما في ذلك الموظفون الذين غادروا المؤسسة.
كما أوصت بضرورة فحص ملفات Releases وGists وليس الاكتفاء بمحتويات المستودعات التقليدية، لأن الصور المسربة غالبًا ما تكون مخزنة في أماكن لا تظهر ضمن قائمة الملفات المعتادة.
وطالبت فرق الأمن بالبحث تحديدًا عن مستودعات تحمل اسم “gitshot-images” أو إصدارات تحتوي على الوسم “_gitshot”، إضافة إلى إزالة أي صور مكشوفة فورًا وتدوير جميع كلمات المرور وبيانات الاعتماد التي ربما ظهرت داخل تلك اللقطات.
وفي خطوة قد تحد من تكرار المشكلة مستقبلًا، أضافت GitHub مطلع سبتمبر 2026 ميزة جديدة إلى أداة gh تسمح بإرفاق الصور مباشرة داخل طلبات السحب والتعليقات باستخدام خيار –attach، ما يوفر بديلًا أكثر أمانًا عن نشر الصور داخل مستودعات عامة.
وتعكس هذه الحادثة بوضوح التحديات الأمنية الجديدة التي تفرضها بيئات التطوير المعززة بالذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لوكيل برمجي يعمل بنية سليمة لإنجاز مهمة اعتيادية أن يتسبب دون قصد في تسريب بيانات حساسة على نطاق واسع، الأمر الذي يجعل حوكمة وكلاء الذكاء الاصطناعي ومراقبة صلاحياتهم جزءًا أساسيًا من إستراتيجيات DevSecOps الحديثة.





























