أعلنت شركة ميتا، المالكة لمنصتَي فيسبوك وإنستغرام، عن تطوير منظومة متكاملة من أدوات الذكاء الاصطناعي تهدف إلى تعزيز سياسات حماية القاصرين، وتحديد الحسابات التي يُنشئها أطفال دون الثالثة عشرة من العمر وإزالتها، وهو السن المعتمد حداً أدنى للتسجيل في غالبية منصات التواصل الاجتماعي الكبرى.
وأوضحت الشركة في إفصاحها أنها تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل محتوى الملفات الشخصية واستخلاص قرائن السياق، إلى جانب فحص الصور ومقاطع الفيديو بحثاً عن مؤشرات جسدية تُعين على تقدير عمر المستخدم.
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي في تحديد سن المستخدم؟
بادرت ميتا إلى نفي أي استخدام لتقنية التعرف على الوجه في هذه المنظومة، وأكدت أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على قراءة الأنماط البصرية العامة كالطول وبنية العظام لتكوين تقدير تقريبي للفئة العمرية دون أن يحدد هوية الشخص. ويُوظَّف هذا التحليل البصري جنباً إلى جنب مع دراسة النصوص المكتوبة وأنماط التفاعل على المنصة، مما يرفع قدرة النظام على الكشف عن الحسابات المخالفة وفق ما أفادت به الشركة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق ضغوط متصاعدة على منصات التواصل الاجتماعي من جهات تشريعية وتنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا، تطالب بتطبيق آليات أكثر صرامة للتحقق من أعمار المستخدمين. فمنذ سنوات، تواجه شركات مثل ميتا وتيك توك وسناب انتقادات واسعة على خلفية وصول الأطفال غير المقيَّد إلى منصاتها، وما تكشَّف من مخاطر صحة نفسية واجهها القاصرون جراء الاستخدام المفرط.
معضلة التحقق من العمر على الإنترنت
اعترفت ميتا صراحةً بأن التحقق من عمر المستخدمين بيئةً رقمية يُمثِّل تحدياً صناعياً شاملاً لا تنفرد به وحدها. ذلك أن المنصات تفتقر تاريخياً إلى أدوات فعّالة تتخطى مجرد الاعتماد على تاريخ الميلاد الذي يسهل التلاعب به. وفي غياب وثائق هوية موثوقة أو تقنيات متخصصة، كان بمقدور الأطفال في جميع أنحاء العالم فتح حسابات بمجرد إدخال تاريخ ميلاد وهمي.
وفي عام 2023، أطلقت ميتا ميزة “وضع المراهق” على إنستغرام، إذ تُشفَّل تلقائياً القيود على حسابات المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن ستة عشر عاماً، لتحدَّ من التواصل مع مجهولي الهوية وتُخفَّف وطأة المحتوى الحساس. ولاحقاً، مُدَّت هذه القيود لتشمل فيسبوك أيضاً، كما أعلنت الشركة عن أنظمة تصنيف ذكية تُعيق وصول القاصرين إلى المحتوى غير الملائم لأعمارهم.
السباق التقني بين الشركات لحماية القاصرين
لا تقف ميتا وحيدة في هذا المضمار؛ إذ يعكف المنافسون على تطوير أدوات مماثلة في مواجهة الرقابة التشريعية المتصاعدة. فقد لوَّح قانون “كوبا” الأمريكي وتشريعات الأمان الرقمي البريطانية والأوروبية بعواقب قانونية وخيمة على المنصات التي تقصِّر في حماية الأطفال.
ورأت منظمات حقوق الطفل أن المنصات كانت تتهرب من تحمُّل مسؤوليتها الكاملة في هذا الملف. ويرى المنتقدون أن التحقق من العمر بمفرده لا يكفي، وأن الأمر يستلزم تغييراً جذرياً في الخوارزميات التي تُغذِّي الإدمان الرقمي، وتصميم واجهات المستخدم لتكون آمنة للأطفال بحكم بنيتها لا بمجرد إضافة تحذيرات.
توازن بين الحماية والخصوصية
يطرح نهج التحليل البصري لميتا تساؤلات جدية حول الخصوصية، وإن كانت الشركة قد بادرت إلى التأكيد على أن الأمر لا يعدو تحليلاً للمؤشرات البصرية العامة بعيداً عن التعرف على الأشخاص. بيد أن هذا التمييز يبقى موضع جدل بين الباحثين المتخصصين في الخصوصية الرقمية، لا سيما أن ثمة تقنيات تعمل في المنطقة الرمادية الفاصلة بين التحليل البصري وتقنيات التعرف على الهوية.
وعلى مستوى التشريع، تشترط الولايات المتحدة وفق قانون حماية الطفل على الإنترنت الحصول على موافقة الوالدين قبل جمع بيانات الأطفال دون الثالثة عشرة، في حين تفرض أحكام اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات متطلبات أشد صرامة على المنصات العاملة في دول الاتحاد الأوروبي. ويضع تطبيق ميتا للذكاء الاصطناعي هذه الشركة في مواجهة مباشرة مع هذه المعادلة البالغة الحساسية بين الاستجابة للمتطلبات التنظيمية والحفاظ على قواعد الخصوصية.
وإذا أثبتت هذه الأدوات فاعليتها، فقد تُشكِّل نموذجاً مرجعياً لبقية منصات التواصل الاجتماعي، وتُسهم في رسم ملامح التشريعات القادمة المتعلقة بالسلامة الرقمية للأطفال. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهيناً بالإجابة على سؤال جوهري لم تُقدِّم ميتا إجابة حاسمة عنه حتى الآن: ما الدقة الفعلية لهذه التقنية، ونسبة الحسابات التي ستُزال خطأً بسبب أحكام عمرية مغلوطة؟































