تقرير حديث بعنوان “We Are At War” أعده Charl van der Walt، رئيس قسم أبحاث الأمن في شركة Orange Cyberdefense، تم تسليط الضوء على التحولات الجذرية في مشهد التهديدات السيبرانية، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للتنمية، بل أصبحت سلاحاً رئيسياً في الصراعات الجيوسياسية. فمع تصاعد التوترات العالمية، تتداخل العمليات السيبرانية مع الأهداف السياسية والاقتصادية، لتشكل جزءاً لا يتجزأ من أدوات القوة الحديثة.
التكنولوجيا كأداة سياسية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفرت الهيمنة الأميركية على النظام العالمي ما يُعرف بـ”السلام الطويل” تحت مظلة Pax Americana. لكن هذا الاستقرار يتعرض اليوم للاهتزاز، خاصة مع اعتماد أوروبا العميق على القدرات الأميركية في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، تتضاعف المخاطر المرتبطة بالهجمات السيبرانية، سواء عبر عمليات التجسس أو الحملات التضليلية أو الهجمات التخريبية.
هجمات الدول واستهداف البنى التحتية
أمثلة بارزة على نشاط الدول في الفضاء السيبراني تشمل:
- حملة Night Dragon المرتبطة بالصين ضد شركات الطاقة والدفاع منذ منتصف العقد الأول من الألفية.
- عملية تعطيل Volt Typhoon Botnet في يناير 2024 من قبل الحكومة الأميركية، والتي استهدفت بنية تحتية حرجة.
- اختراقات Salt Typhoon لشبكات الاتصالات العالمية في أكتوبر 2024، ما كشف قدرة الدول على الوصول إلى بيانات مسؤولين حكوميين وملايين المدنيين.
هذه العمليات تؤكد أن الهجمات لم تعد مجرد سرقة بيانات، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإظهار القوة والتأثير على الخصوم.
صعود الهاكتيفزم وتحوله إلى أداة دولة
لم يعد “الهاكتيفزم” مجرد احتجاج رقمي، بل تحول إلى أداة سياسية تخدم مصالح الدول. ففي أبريل 2025، سيطر مهاجمون على سد Bremanger في النرويج وفتحوا بواباته، بينما شنت مجموعة NoName057(16) الموالية لروسيا هجمات DDoS ضد مواقع حكومية بريطانية. كما أعلنت كندا في أكتوبر 2025 عن اختراقات استهدفت أنظمة المياه والطاقة والزراعة، حيث تم التلاعب بمستويات الضغط والحرارة والرطوبة.
هذا التحول يعكس اندماجاً بين الفاعلين المستقلين والدول، حيث تعمل مجموعات مثل Killnet وNoName057(16) بشكل مستقل ظاهرياً، لكنها تخدم أهدافاً سياسية لدولها.
الابتزاز السيبراني: التهديد الأكبر
يبقى الابتزاز السيبراني (Cyber Extortion) التحدي الأكثر انتشاراً، حيث توسعت هجمات الفدية لتشمل جميع القطاعات والدول. من أبرز الأمثلة:
- إغلاق سوق Nemesis Market في مارس 2024 عبر عملية دولية.
- حملة Cl0p في ديسمبر 2024 التي استغلت ثغرة في برنامج نقل الملفات وأدت إلى مئات الضحايا.
- إعلان الحكومة البريطانية في يوليو 2025 نيتها حظر دفع الفدية من قبل المؤسسات العامة.
ورغم جهود إنفاذ القانون عبر عمليات مثل ENDGAME، فإن منظومة الابتزاز السيبراني أثبتت قدرتها على التكيف والبقاء، بفضل شبكات معقدة من الوسطاء ومزودي الخدمات.
البعد الاستراتيجي للأمن السيبراني
الرسالة الأساسية للتقرير أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح قضية مجتمعية وسياسية. فالهجمات لا تستهدف الأنظمة فقط، بل تسعى إلى تقويض الثقة العامة وزعزعة استقرار المجتمعات. لذلك، فإن الدفاع الفعّال يتطلب تعاوناً وثيقاً بين القطاعين العام والخاص، وتطوير قدرات على الاستجابة والتعافي، وليس الاكتفاء بالوقاية.


























