شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الانقطاعات الكبرى في خدمات الحوسبة السحابية، طالت مزودين بارزين مثل AWS وAzure وCloudflare، ما أدى إلى تعطيل أجزاء واسعة من الإنترنت وإيقاف مواقع وخدمات تعتمد عليها أنظمة أخرى بشكل مباشر. هذه الانقطاعات لم تكن مجرد أعطال تقنية عابرة، بل كشفت عن نقطة ضعف جوهرية في البنية الرقمية الحديثة: الاعتماد الكلي على أنظمة الهوية السحابية.
التأثير على المستهلكين والشركات
بينما يواجه المستهلكون هذه الانقطاعات كعائق مؤقت يمنعهم من طلب الطعام أو مشاهدة المحتوى أو الوصول إلى الخدمات، فإن الشركات تدفع ثمناً باهظاً. توقف نظام حجز لشركة طيران، على سبيل المثال، يعني خسائر مالية مباشرة، تراجعاً في السمعة، واضطراباً في العمليات. هنا يتضح أن الانقطاع لا يقتصر على الحوسبة أو الشبكات، بل يمتد إلى الهوية الرقمية التي تمثل البوابة الأساسية لكل خدمة.
الهوية كبوابة لكل شيء
في نماذج الأمن الحديثة، وخاصة Zero Trust، تقوم الهوية بدور الحارس المستمر لكل نظام وواجهة برمجية وخدمة. المصادقة والتفويض لا يحدثان فقط عند تسجيل الدخول، بل يتكرران باستمرار مع كل طلب وكل عملية. وعندما تتعطل أنظمة الهوية، يتوقف كل شيء: المستخدمون، التطبيقات، والخدمات الآلية. لذلك، فإن أي انقطاع في الهوية يجب أن يُعامل كحادث أمني وتشغيلي من الدرجة الأولى.
التعقيد الخفي لتدفقات المصادقة
عملية المصادقة اليوم تتجاوز مجرد التحقق من كلمة مرور أو مفتاح دخول. فهي تشمل استدعاء سمات المستخدم من قواعد بيانات، تخزين حالة الجلسة، إصدار رموز وصول تحتوي على صلاحيات وادعاءات، وتنفيذ قرارات تفويض دقيقة عبر محركات سياسات. كل خطوة تعتمد على بنية تحتية سحابية معقدة: قواعد بيانات، مخازن رموز، خدمات خارجية. أي خلل في أحد هذه المكونات يمكن أن يوقف العملية بالكامل ويشل الأنظمة.
لماذا لا تكفي خطط التوافر العالي التقليدية؟
رغم أن معظم المؤسسات تعتمد على خطط High Availability عبر النسخ الإقليمية، إلا أن هذه الخطط تنهار أمام الانقطاعات الشاملة. إذا كانت أنظمة الهوية في عدة مناطق تعتمد على نفس مزود DNS أو قاعدة بيانات مُدارة أو لوحة تحكم سحابية، فإن النسخة الاحتياطية تفشل للأسباب ذاتها التي عطلت النسخة الرئيسية. النتيجة: بنية تبدو قوية على الورق لكنها تنهار عند مواجهة انقطاع واسع النطاق.
نحو تصميم مرونة حقيقية
الحل يكمن في تصميم مرونة مقصودة، عبر تقليل الاعتماد على مزود واحد أو مجال فشل واحد. يمكن أن يشمل ذلك استراتيجيات متعددة السحابات أو بدائل محلية مدروسة تظل متاحة حتى عند تراجع الخدمات السحابية. كما أن التخطيط للتشغيل في وضع متدهور يعد ضرورياً: السماح بالوصول المحدود عبر بيانات مخزنة مؤقتاً أو قرارات تفويض مسبقة يمكن أن يقلل بشكل كبير من الأثر التشغيلي والسمعة.
الأهم أن تُصمم أنظمة الهوية لتفشل بشكل متدرج لا أن تنهار بالكامل، بحيث يظل الوصول ممكناً ولو بشكل محدود عند وقوع الانقطاعات.





























