مكافحة التضليل والدعاية.. بناء حصانة معرفية في زمن الفوضى الرقمية

أصبحت حملات التضليل والدعاية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة في عصر الإعلام الرقمي. فمع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، باتت المعلومات تنتقل بسرعة غير مسبوقة، ما يتيح للجهات الفاعلة استغلال هذه البيئة لنشر أخبار زائفة أو محتوى دعائي موجه. هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ ارتبطت تاريخياً بالحروب والصراعات السياسية، لكنها اليوم أكثر تعقيداً بفعل الأدوات التقنية المتطورة التي تسمح بتضخيم الرسائل وتوجيهها بدقة نحو جماهير محددة.

أدوات التضليل وأساليب الدعاية الرقمية

تتنوع أساليب التضليل بين الأخبار المفبركة، الصور المعدلة، الحسابات الوهمية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى يصعب التحقق من صحته. كما تلجأ بعض الجهات إلى استغلال الخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية لتضخيم رسائلها عبر ما يُعرف بـ “جيوش الحسابات الآلية” أو “Bots”، التي تكرر الرسائل وتعيد نشرها بشكل مكثف لتبدو وكأنها رأي عام واسع. الدعاية الرقمية لا تقتصر على السياسة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد، الصحة، وحتى القضايا الاجتماعية، ما يجعل أثرها مضاعفاً على استقرار المجتمعات وثقة الأفراد بالمصادر الإعلامية.

استراتيجيات المواجهة وبناء الحصانة المعلوماتية

مكافحة التضليل والدعاية تتطلب مقاربة متعددة المستويات. على الصعيد الحكومي، يتمثل التحدي في وضع تشريعات واضحة تلزم المنصات الرقمية بمزيد من الشفافية حول مصادر المحتوى وآليات نشره، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهة الحملات العابرة للحدود. أما على المستوى الإعلامي، فالمؤسسات الصحفية مطالبة بتطوير أدوات تحقق رقمية، وتدريب الصحفيين على تقنيات التحقق من الصور والفيديوهات، واستخدام قواعد بيانات مفتوحة المصدر لرصد الحملات الموجهة.
من جانب آخر، يبقى دور المجتمع المدني والتعليم أساسياً، إذ إن رفع الوعي الإعلامي لدى الجمهور وتدريس مهارات التفكير النقدي في المدارس والجامعات يمثل خط الدفاع الأول ضد التضليل. فالمواطن الواعي القادر على التحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها يشكل حاجزاً أمام انتشار الأخبار الزائفة.

خلفيات أمنية وسياسية في سياق التضليل

تاريخياً، ارتبطت الدعاية الموجهة بالحروب النفسية، حيث استخدمت كأداة لتقويض معنويات الخصوم أو التأثير على الرأي العام. في العصر الرقمي، أصبحت هذه الحملات أكثر خطورة لأنها تستهدف البنية التحتية المعلوماتية للدول، وتؤثر على العمليات الانتخابية، وتزعزع الثقة في المؤسسات. تقارير عديدة أشارت إلى تدخلات خارجية في انتخابات دول كبرى عبر حملات تضليل رقمية، ما دفع الحكومات إلى اعتبار التضليل تهديداً للأمن القومي.
كما أن التضليل في المجال الصحي، مثل نشر معلومات مغلوطة عن اللقاحات أو الأوبئة، أظهر كيف يمكن للدعاية الرقمية أن تؤثر مباشرة على حياة الأفراد وصحة المجتمعات. هذه الخلفيات تؤكد أن مكافحة التضليل ليست مجرد قضية إعلامية، بل هي معركة أمنية وسياسية واجتماعية شاملة.

محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
المقالات: 249

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.