في ظل تسارع الابتكار التكنولوجي، لم تعد المخاطر الرقمية مجرد تهديد تقني، بل تحدٍ اجتماعي يتطلب تعاون العلماء وقادة الأعمال وصنّاع القرار. لهذا أطلقت ليتوانيا مبادرة وطنية تحت مظلة وكالة الابتكار، تهدف إلى تعزيز الأمن السيبراني وبناء مجتمع رقمي آمن وشامل.
تتولى جامعة كاوناس للتكنولوجيا (KTU) قيادة مهمة “المجتمع الرقمي الآمن والشامل” بقيمة تتجاوز 24.1 مليون يورو، بمشاركة جامعات كبرى مثل فيلنيوس تك وجامعة ميكولاس روميريس، إلى جانب شركات متخصصة مثل NRD Cyber Security وElsis PRO، ومراكز بحثية وجمعيات صناعية.
الاحتيال السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي
تؤكد الباحثة راسا بروزغينيه أن ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل GPT-4 وGPT-5 غيّر قواعد اللعبة في الاحتيال الإلكتروني. فبعد أن كانت أنظمة الحماية تعتمد على كشف الأنماط المتكررة، أصبح المهاجمون قادرين على صياغة رسائل دقيقة وسليمة لغويًا، تحاكي أسلوب المؤسسات الرسمية، مما يجعل اكتشافها صعبًا حتى على البشر.
الخطورة تكمن في أن هذه الرسائل باتت شخصية ومتعددة اللغات، تُنشأ آليًا بأعداد ضخمة، وتستند إلى بيانات عامة عن الضحايا، مما يفقد أنظمة الحماية التقليدية فعاليتها.
أدوات الجريمة الجديدة
المجرمون اليوم يستخدمون ترسانة واسعة من الأدوات:
- نماذج توليد النصوص مثل GPT وLlama وMistral، إضافة إلى نسخ مظلمة مثل FraudGPT وWormGPT.
- تقنيات استنساخ الصوت مثل ElevenLabs وVALL-E.
- أدوات صناعة الصور والفيديوهات المزيفة مثل Stable Diffusion وDeepFaceLab.
هذه الأدوات تُدمج معًا لتوليد ملفات تعريف مزيفة متكاملة: صور واقعية، أصوات مستنسخة، وثائق معدلة، ورسائل مقنعة. النتيجة هي قدرة فرد واحد على إنشاء مئات الحسابات المزيفة في وقت قصير، بما يكفي لاختراق مؤسسات مالية ومنصات العملات الرقمية.
الهندسة الاجتماعية الذكية
لم يعد الاحتيال يعتمد على نصوص ثابتة، بل على هندسة اجتماعية تكيفية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. تبدأ العملية بجمع بيانات الضحية من الشبكات الاجتماعية وقواعد البيانات المسربة، ثم تُصاغ رسائل أولية تحاكي لغة المؤسسات. إذا لم يستجب الضحية، ينتقل النظام تلقائيًا إلى قنوات أخرى مثل البريد أو الرسائل النصية أو منصات العمل، ويغير نبرة الخطاب من الرسمية إلى العاجلة.
في بعض الحالات، يتلقى الضحية رسالة من “زميل عمل”، ثم اتصالًا بصوت مستنسخ، وكل ذلك ضمن سلسلة متكاملة من أدوات الذكاء الاصطناعي، تجعل الاحتيال أكثر واقعية وإقناعًا.
ريادة ليتوانيا في الدفاع السيبراني
رغم التحديات، أظهرت ليتوانيا تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الحوكمة والجاهزية الرقمية، حيث احتلت المرتبة 25 عالميًا في مؤشر الحوكمة الجيدة و33 في مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي لعام 2025.
استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي (2021–2030) ركزت على دمج الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني، مما ساهم في تقليص هجمات الفدية بنسبة خمسة أضعاف بين عامي 2023 و2024. كما عززت تعاونها مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لتطوير أنظمة هجينة قادرة على مواجهة التهديدات المعقدة.
وكما يقول مارتيناس سورفيلاس من وكالة الابتكار: “الأمن السيبراني ليس مجرد مهمة تقنية، بل أساس للديمقراطية والنمو الاقتصادي. الذكاء الاصطناعي قد يُستخدم في الهجوم، لكن يمكننا أيضًا تسخيره للدفاع، والسر يكمن في التعاون والتعليم المستمر.”






























