في خضم التصعيد العسكري المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران، وعلى وقع الصواريخ التي دكت مواقع إيرانية ، كان العالم مشغولاً بمشاهدة لهيب المعارك في سماء إيران، بينما كانت عيون أخرى تراقب بصمت من على سطح الماء. ففي الأيام الأخيرة، رصدت أقمار التجسس الغربية تحركًا غير متوقع لقوات بحرية تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، وتحديدًا سفينتي التجسس الإلكتروني من طراز 815A، المعروفة إعلاميًا باسم “سفينة عين التنين”، والتي أبحرت من قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي لتستقر في مياه الخليج العربي الاستراتيجية .
هذا الحضور الصيني، الذي وصفه خبراء عسكريون غربيون بأنه “تطفل ذكي” وليس تدخلاً مباشرًا، يطرح تساؤلات جوهرية حول الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه السفينة في الحرب الدائرة، ليس فقط كمراقب صامت، بل كمحور رئيسي في معادلة السيبرانية والاستخباراتية التي قد تحسم الصراع لصالح أي من الطرفين.
عيون الصين الإلكترونية: قدرات خارقة في مهمة استخباراتية
تعد سفن Type 815A منصات استخباراتية متطورة تمثل الأذن والعين الأكثر دقة لبكين في المحيطات. صممت هذه السفن خصيصًا لاعتراض وتحليل الإشارات الصادرة عن أنظمة الرادار، واتصالات القوات، وحتى بيانات تسليح الطائرات دون أن تُكتشف بسهولة .
خلال العمليات العسكرية الدائرة، لم تكن بكين مهتمة بدعم إيران بشكل مباشر بقدر اهتمامها بفك شيفرة التكتيكات العسكرية الأمريكية. فوجود قاذفات “B-2 Spirit” الشبحية، التي تُعد أثمن أصول القوات الجوية الأمريكية، كان بمثابة “مختبر ميداني” ثمين للصين. تمكنت “عين التنين” من التقاط البصمات الرادارية والحرارية لهذه القاذفات أثناء تحليقها لضرب منشآت “فوردو” و”نطنز” النووية، وهي بيانات لا تقدر بثمن لتطوير أنظمة رادار صينية مضادة للطائرات الشبحية في المستقبل .
بين المراقبة والتورط: هل تشارك الصين إيران المعلومات؟
السؤال الأكثر إلحاحًا في أروقة البنتاغون وحلف شمال الأطلسي هو: إلى أي مدى يمكن لبكين أن تذهب في مشاركة طهران بالمعلومات الحساسة التي تلتقطها سفنها؟ وفقًا لمصادر دفاعية غربية، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على نقل فوري للمعلومات من السفن الصينية إلى القيادة الإيرانية، لكن الاحتمالية تظل قائمة .
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن الصين تستخدم هذه البيانات كورقة ضغط استراتيجية أو كوسيلة لتعزيز تحالفاتها. ففي الوقت الذي تواجه فيه إيران حربًا إلكترونية شرسة من الولايات المتحدة، قد تكون بيانات الرصد الصينية بمثابة “مرآة” لإيران ترى من خلالها ثغرات دفاعاتها الجوية ونقاط ضعف الرادارات الأمريكية.
تحالف بكين مع طهران، خاصة في المجالين الاقتصادي والعسكري، يجعل فرضية تبادل المعلومات الاستخباراتية واردًا جدًا، حتى لو كان بشكل انتقائي .
إستراتيجية “التعلم بالمشاهدة”: كيف تستفيد الصين من الصراع؟
لا يمكن فهم التحرك الصيني بمعزل عن إستراتيجيتها الكبرى في المنطقة. فبينما تركز واشنطن على ضرب إيران، تركز بكين على ضرب “عصفورين بحجر واحد”: الأول هو حماية مصالحها النفطية الضخمة في الخليج، والثاني هو تطوير عقيدتها العسكرية.
الخبراء العسكريون يرون أن نشر سفن الـ815A هو امتداد لتكتيكات الحرب الباردة، حيث كانت السفن السوفيتية تراقب المناورات الأمريكية عن كثب. لكن الفارق اليوم أن الصين تفعل ذلك بقدرات سيبرانية وبصرية تفوق ما كان متاحًا في الماضي. فالبيانات التي تجمعها هذه السفن لا تشمل فقط التحركات البحرية، بل تمتد إلى قدرة واشنطن على شن حرب إلكترونية هجومية، وهو ما يمكن لبكين استخدامه لتطوير تقنيات مضادة وتحسين حماية شبكاتها العسكرية والمدنية من الهجمات الإلكترونية المحتملة .
معركة مضادة للاستخبارات: واشنطن تتصدى لـ”عين التنين”
لم تقف القيادة المركزية الأمريكية مكتوفة الأيدي إزاء هذا “الضيف” الثقيل. فوفقًا لتصريحات رسمية للجنرال دانيل كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تم تفعيل إجراءات مضادة للاستخبارات أثناء الضربة على إيران. استخدمت القوات الأمريكية إشارات خادعة (Decoy Signals) وتقنيات قفز الترددات لتضليل أجهزة الاستماع الصينية، مما جعل جزءًا من البيانات التي جمعتها “عين التنين” غير صالح للاستخدام الفوري .
هذه المناوشات الإلكترونية الصامتة في مياه الخليج تكشف عن وجه آخر للحرب، حيث تتصارع الأنظمة السيبرانية في ظل صراع تقليدي بالصواريخ والطائرات. ووفقًا لمحللين عسكريين، فإن هذه المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وبكين على الأراضي الإيرانية قد تكون بروفة لحرب إلكترونية شاملة في المستقبل، خاصة في مناطق التوتر مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان .
هل تحسم “عين التنين” الصراع؟
في نهاية المطاف، تبدو سفينة “عين التنين” وكأنها حَكَمٌ صامت في حلبة المصارعة الأمريكية الإيرانية. وجودها لا يغير ميزان القوى العسكرية المباشر في المعركة الحالية، لكنه يعيد تشكيل ميزان المعلومات، إذا قررت الصين مشاركة جزء من تلك المعلومات مع إيران، فقد يساعد ذلك طهران على تعديل تكتيكاتها الدفاعية وتفادي بعض الضربات الأمريكية المستقبلية. أما إذا احتفظت بها لنفسها، فإنها تكون قد أنجزت أكبر عملية استخباراتية عسكرية في العقد الأخير دون إطلاق رصاصة واحدة.
لذلك يمكننا الزعم بأن ما يحدث في الخليج العربي اليوم ليس مجرد صراع على النفوذ، بل هو حرب استخباراتية شاملة، و”عين التنين” الصينية تطل على ساحة المعركة بعين لا تغمض، منتظرةً اللحظة المناسبة لاستثمار ما تراه.





























